العلم بالله وأسمائه وصفاته (٤)
وأهم المعارف محصور في أمرين:
معرفة الربوبية.
ومعرفة العبودية.
وكمال معرفة الربوبية بينه الله بقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)} [الفاتحة: ٢ - ٤].
أما معرفة العبودية فلها مبدأ وكمال.
وأول وآخر.
أما أولها ومبدؤها فهو الاشتغال بالعبودية، وهو المراد بقوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)} [الفاتحة: ٥].
وأما كمالها وآخرها فهو أن يعرف العبد أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله.
فعند ذلك يستعين بالله في تحصيل المطالب كلها، وهو المراد بقوله سبحانه: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)} [الفاتحة: ٥].
فعلينا إذا عرفنا الله أن نطيعه.
وإذا قرأنا القرآن فيجب أن نعمل به.
وإذا كنا نحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن نعمل بسنته.
وإذا عرفنا الشيطان فيجب أن نحذره ولا نوافقه.
وإذا كنا نحب الجنة فيجب أن نعمل لها.
وإذا كنا نخاف الله فيجب أن نقلع عن الذنوب.
وإذا عرفنا أن الموت حق فيجب أن نستعد له.
وإذا عرفنا أننا نأكل من رزق الله فيجب أن نشكره.
ونستحي منه، فلا نأكل من رزقه ونعصيه.
وعلينا أن نعمل للدنيا بقدر بقائنا فيها.
ونعمل للآخرة بمقدار بقائنا فيها.
ونعمل لله بمقدار حاجتنا إليه.
ونعمل من المعصية بقدر ما نطيق من حرارة النار، وهيهات ما لأحد بنار جهنم من طاقة.
والعمل بلا يقين كالجسد بلا روح لا فائدة فيه.
واليقين: هو أن نعلم أن الفوز والفلاح، والسعادة والنجاة، وجميع المخلوقات كلها بيد الله وحده لا شريك له.
والإنسان إذا جاء في قلبه نور الإيمان رأى كل شيء على حقيقته.
الدنيا والآخرة.
الأموال والأشياء.
الأعمال والأخلاق.
وكما أنه إذا طلعت الشمس ميز الإنسان الحجر من الذهب، فأخذ الذهب وترك الحجر، فكذلك بنور الإيمان يقدم المسلم الآخرة على الدنيا، ويؤثر الأعمال الصالحة على جمع حطام الدنيا، ويعمل لآخرته بقدر طاقته، ويأخذ من الدنيا بقدر حاجته.
والعلم من أحسن الصفات التي تحصل بها اللذة، وهو درجات.
فأعلاها: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ودينه وشرعه.
فالعلم بالله وأسمائه وصفاته ألذ العلوم وأشرفها وأعظمها.
ولذة القلب بمعرفة الله تعالى أعظم من لذة البدن بالأكل والشرب، فإن الجنة معدن تمتع الحواس، وأما القلب فلذته في لقاء الله تعالى ورؤيته ورضوانه وسماع كلامه.
ولذة النظر إلى الله يوم القيامة تزيد على لذة المعرفة به في الدنيا، وما فوقها لذة.
نسأل الله أن يبلغنا وسائر المسلمين إياها.
فالعارف حقاً من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف دينه وشرعه، ثم صدق الله في معاملته، وأخلص له العمل.
يعتزل الخلق فيما بينه وبين الله، حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضراً ولا نفعاً.
ويتنقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية أخرى، ويتقلب في محاب الله ومراضيه، جاهداً في إصلاح نفسه وفي إصلاح غيره.
فتراه مصلياً.
ذاكراً.
تالياً لكتاب ربه.
داعياً إلى الله.
معلماً للكتاب والسنة.
متعلماً.
متفقهاً.
منفقاً.
متصدقاً.
حاجاً.
صائماً.
مجاهداً.
ناصحاً.
آمراً بالمعروف.
ناهياً عن المنكر.
واصلاً لرحمه.
محسناً إلى الخلق.
مواسياً للفقراء.
وهكذا قلبه متعلق بالآخرة.
متأهب للقدوم على ربه.
معرض عن الدنيا.
قلبه وجوارحه متحركة فيما يرضي ربه.
مجتنبة لما يسخطه.
وألذ شيء لديه خلوته بربه والقيام بين يديه.
مسبحاً له تارة.
ومكبراً له تارة.
وحامداً له تارة.
ومستغفراً له تارة.
وسائلاً له تارة.
ومعظماً له تارة.
فإذا حصل له ذلك فتح له باب حلاوة العبادة، بحيث لا يكاد يشبع منها، إذ يجد فيها اللذة والراحة.
فإذا دخل في الصلاة ودّ أن لا يخرج منها؛ لأنه يناجي مولاه، ويعبد الله كأنه يراه.
ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله وتلاوته فلا يشبع منه.
ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به، وعظمة أسمائه وصفاته، وجلاله وجماله.
ثم يُفتح له باب الحياء من الله فيستحي منه، ويُرزق دوام المراقبة للرقيب.
ثم يفتح له باب الشعور بالقيومية، فيرى تقلبات الكون وتصاريف الوجود بيده سبحانه فيتخذه وكيلاً، ويرضى به مدبراً وكافياً.
وهكذا يترقى من معرفة إلى معرفة، ومن عمل إلى آخر، ومن منزلة إلى منزلة، حتى يلقى ربه مجاهداً صابراً محتسباً.
ومعرفة الله عزَّ وجلَّ تقوم على ثلاثة أركان:
الهيبة.
والحياء.
والأنس.
فإذا عرف قدرة الله وقوته وعظمته وجلاله جاءت عنده صفة الهيبة.
وإذا عرف نعم الله عليه وعلى غيره مع قلة الشكر، وكثرة المعاصي، جاء عنده الحياء.
وإذا عرف لطف الله ورحمته، وكرمه وجوده، وإنعامه وإحسانه، جاء عنده الأنس بالله، والوحشة من الخلق.
وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان بالله، والمعرفة به، وإخلاص العبادة له، فليهنأ بذلك من رزق ذلك: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)} [يونس: ٥٨].
فيا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه، والبعد عنه.
أما لك في رضا الرحمن من نصيب؟.
أما لك في الجنة من شوق؟.
ونور العلم لم يحجب عن القلوب لبخلٍ ومنعٍ من جهة المنعم سبحانه، ولكنه حُجب لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب.
فالقلوب كالأواني ما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله، ولولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء.
وليس المقصود من العلم العمل فقط، بل المقصود الإيمان والعمل، ولو كان المقصود من العلم العمل فقط لكان المنافقون في الجنة، لكنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم يعملون بلا إيمان.
وعلم الرب شيء، ومعرفة الرب شيء آخر، وطريق معرفة الرب هو الميدان، والله سبحانه علمنا كيف تعرف موسى على ربه في الميدان في الوادي المقدس طوى، عند الشجرة حين ناداه الله فعلمه التوحيد نظرياً بقوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)} [طه: ١٤].
ثم عرَّفه الإيمان عملياً بتقليب حال العصا أمامه في الحال، فقال له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)} [طه: ١٧ - ٢١].
ثم أمره الله بعد ذلك أن يذهب إلى فرعون، فلما ذهب موسى إلى فرعون ما خاف منه؛ لأنه عرف أن ربه معه، وقبل ذلك كان موسى في قصر فرعون عنده علم الرب، ولما خرج إلى مدين جاء عنده معرفة الرب، معرفة الإيمان بالله الذي بيده كل شيء.
والتربية الإيمانية لها شروط:
أهمها عدم الالتفات إلى الأسباب؛ لأن قدرة الله تظهر إذا انقطعت الأسباب وتوجه المؤمن إلى ربه، فقدرة الله مخفية وراء الأسباب، مع الأسباب لا تظهر.
فترك موسى - صلى الله عليه وسلم - زوجته وماله.
ولما اقترب قيل له: اخلع نعليك.
ولما اقترب أكثر قيل له: ألق عصاك وهي نافعة.
ثم قيل له خذها وهي ضارة؛ ليعلم أن كل شيء بيد الله، والله يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وموسى تعلم التربية بأقسامها الثلاثة في الميدان:
التربية البدنية.
ثم التربية الأخلاقية.
ثم التربية الإيمانية.
تعلم التربية البدنية في قصر فرعون، فلقوته قتل القبطي، ورفع الحجر وحده عن بئر مدين، ولطم ملك الموت.
ثم أخرجه الله إلى مدين ليتعلم التربية الأخلاقية؛ لأن الدعوة لا بدَّ أن يكون معها أخلاق من الرفق والرحمة، والحلم والصبر، فرعى الغنم في مدين عشر سنين، وكل نبي رعى الغنم؛ لأن رعي الغنم شبيه برعاية البشر.
ثم نقله الله إلى ميدان آخر، وهو التربية الإيمانية، في البقعة المباركة من الشجرة، كما قص الله ذلك في القرآن في سورة طه والقصص وغيرهما.
والصحابة رضي الله عنهم لما هاجروا إلى المدينة كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد رباهم عملياً على معرفة الرب، ومعرفة قدرته، فجاءت عليهم في المدينة أحوال شديدة، أصابتهم الحمى، ولا يولد لهم مولود لمدة سنتين، وصاروا فقراء بعد أن كانوا أغنياء، وهزلت أجسامهم.
ولكن لما كانت تربيتهم قوية لم يتأثروا بذلك، فهي إعداد لهم، وترقية لإيمانهم، فقد واجهوا الكفار بعد ذلك في بدر بلا عدد ولا عدة فهزموهم بإذن الله.
ففي مكة كان مصنع الرجال، وتربية الرجال، وفي المدينة كان استخدام الرجال في الميدان.
لذلك في مكة لما أوذي المسلمون لم يدعُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم؛ لأنهم في ميدان التربية، لكن في بدر دعا لهم بقدر حاجتهم كما قال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)} [الأنفال: ٩، ١٠].
فأظهر الله لهم قدرته، ونصرهم وأعزهم.
ففي غزوة بدر أظهر الله قدرته، فأمد المؤمنين بألف من الملائكة، ثم بثلاثة آلاف، ثم بخمسة آلاف يقاتلون مع المؤمنين، وكان يكفي ملك واحد لتدمير هؤلاء وديارهم كما فعل جبريل بقوم لوط، ولكن الله فرح بخروج هؤلاء المؤمنين لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، ثم قال الله للملائكة إني معكم فثبِّتوا الذين آمنوا، ثم بين لهم أن النصر من عند الله، ينصر من ينصره لنفي اليقين عن الملائكة، حتى لا يكون التوجه إلا إلى الخالق سبحانه، ثم نصرهم الله مع أن أحوالهم ليس فيها من مقومات النصر شيء كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)} [آل عمران: ١٢٣].
لذلك ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة على الدين وعلى الجهد للدين، وبسبب جهدهم للدين صارت أوامر الله غالية عندهم، لا يفرطون بها، يبذلون أموالهم وأنفسهم من أجلها، ويتركون ديارهم وشهواتهم من أجلها.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليس قدوة للأمة في الصلاة فقط، بل هو إمام وقدوة في كل شيء، في العبادات، والمعاملات، والدعوة، والجهاد.
مختارات

