حديث «صلاة الرجل في جماعة..» (2-2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فكنا نتحدث عن قول النبي ﷺ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا يَنهَزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رُفع له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ فيه، ما لم يُحدث فيه[1]، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، وقوله ﷺ: يَنهَزه هو بفتح الياء والهاء وبالزاي أي يُخرجه وينهضه.
قوله ﷺ: فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه يعني: أنه من جاء إلى الصلاة وبقي في المسجد، وهو منتظرٌ لها فإنه في هذه الحال يكون في صلاة -ولذلك فإنه لا يشبك بين أصابعه- والملائكة تستغفر له، وتدعو له، وتسأل الله له المغفرة والرحمة ما دام في هذا المكان الذي ينتظر فيه الصلاة، أو الذي صلى فيه؛ لأن الإنسان ما دام في المكان الذي صلى فيه، وينتظر الصلاة فهو في صلاة، ولو كان جالساً.
قال: ما كانت الصلاة هي تحبسه وهذا يعني أن الإنسان إذا صلى ثم انصرف من صلاته، وبقي في المسجد وهو لا ينتظر صلاة بعدها فإن ذلك لا ينطبق عليه، ولكن لا يحسن بالإنسان أن يبادر إلى الخروج من المسجد، ويدع ذكر الله لأن النبي ﷺ أخبرنا عن الشيطان، وأنه يأتي لابن آدم ويذكره حاجته حتى يخرج من المسجد، فينسى ورده الذي يقوله بعد الصلاة.
فيحسن بالمسلم أن ينتظر ويتمهل حتى يقضي ورده، ثم بعد ذلك يخرج، لكن لا ينطبق عليه ما جاء في هذا الحديث من أنه لا يزال في صلاة ما دامت الصلاة هي تحبسه.
ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما: "كيف بك إذا بقيت في أناس هم هكذا؟" أو كما قال ﷺ، وشبك بين أصابعه[2].
مع أن المصلي منهي عن تشبيك أصابعه، وإذا كان الإنسان ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فلا يشبك أصابعه في المسجد.
ووجه الجمع، أن يقال: إن الإنسان إذا كان بعد الصلاة، وهو لا ينتظر الصلاة فلا بأس أن يشبك بين أصابعه؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، وأما إذا كان في انتظار لها فإنه لا يشبك، كالذي ينتظر مثلاً الصلاة قبل الإقامة، أو في حال الخطبة، أو غير ذلك فإنه لا يشبك بين أصابعه؛ لأنه في صلاة، والله تعالى أعلم.
قال: ما كانت الصلاة هي تحبسه، فإذا كان جلس لأمر آخر فإنه لا يصدق عليه ذلك، قال: والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، صلاة الملائكة بمعنى الاستغفار، كما قال الله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، فالملائكة يستغفرون للإنسان ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، وأما صلاة الله على العبد هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ[الأحزاب:43] فإنها بمعنى أن يذكره الله -تبارك وتعالى- في الملأ الأعلى، وأما صلاة العبد حينما تقول: اللهم صلِّ على محمد فإن ذلك يعني الدعاء بالرحمة والمغفرة.
قال: ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، الحافظ ابن حجر -رحمه الله- يرى أنه لو تحول من مكانه إلى مكان آخر فإن ذلك لا يضر ما دام في المسجد الذي صلى فيه، ما لم يخرج منه، وبعض أهل العلم قال: لا، ما دام في مجلسه الذي صلى فيه أي: البقعة التي صلى فيها خاصة، فلا يتحول عنها إلى مكان آخر.
يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، هذا تفسير صلاة الملائكة على هذا العبد، فإذا استشعر العبد هذا لم يستطل الجلوس من أجل الصلاة، فإن ذلك يؤنسه، ويكون حافزاً له على هذا العمل الشريف.
قوله: ما لم يُؤذ فيه، ما لم يُحدث فيه، يحتمل أن يكون المراد، بقوله: ما لم يؤذ يعني: يحدث، ويحتمل أن يكون من التكلم في أمور الدنيا، والتشاغل بها في المسجد؛ لأنه لا يسوغ التحدث عن قضايا الدنيا، والبيع والشراء، وما إلى ذلك في المسجد، هكذا فسره بعض أهل العلم.
وبعض أهل العلم فسر الحدث بالانشغال بأمور الدنيا، والأذى بالانشغال بأمر محرم، سواء كان قولا أو فعلا، فإن الملائكة لا تستغفر له، والعلم عند الله تعالى.
وهذا لفظ مسلم، هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
مختارات

