الحديث على آيات الباب..
مقدمة باب الإخلاص وإحضار النيةالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذا باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية.
الباب: هو طائفة من مسائل العلم الداخلة في الكتاب، تحته فصول أو مسائل، أو نحو ذلك، مما جرى عليه التأليف، فهذا يقال له الباب، وهو يُدخل به إلى مسائل هذا الفن، أو مسائل هذا الباب، كما يتوصل ويُدخل من الباب، باب الدار، أو باب المسجد، أو نحو ذلك، إلى داخله.
باب الإخلاص، الإخلاص: هو إفراد الله بالقصد، أن يتوجه المكلف إلى ربه وخالقه -تبارك وتعالى، فلا يلتفت إلى أحد سواه، أن يريد الله وحده، والدار الآخرة.
والالتفات إلى الدار الآخرة ذلك لا ينافي الإخلاص، يعني: إذا أراد ما عند الله من الجنة، أراد الثواب، أراد الخير، أراد الدرجات العلى، فهذا لا ينافي الإخلاص، فإن توحيد الوجهة أن يريد الإنسان بعمله الآخرة، هذا يعتبر من التوحيد والإخلاص.
فلواحد كن واحداً في واحدأعني سبيل الحق والإيمانوإحضار النية، النية: هي القصد، توجه القلب إلى العمل، وإحضار النية مطلوب، وواجب في العبادات من حيث إنه يميز بين العادة والعبادة، يعني: هذا الإنسان الذي يتوضأ الآن، إن كان يفعل ذلك على سبيل التبرد فإن هذا لا يجزيه للصلاة، وإن كان يفعل ذلك من أجل أن يستحل به ما يمنع منه كالصلاة، أو ما يستحب له كقراءة القرآن، فإن ذلك يكون طهارة شرعية.
الغسل، إن اغتسل للتنظف أو للتبرد، فمثل هذا لا يجزيه عن غسل الجنابة، ولا يجزي المرأة عن غسل الحيض أو النفاس، لكن لا بد فيه من النية.
فالنية تميز، هي قصد القلب وتوجهه، فتميز بين العادة والعبادة، وتميز بين أنواع العبادات، هذا صلى ركعتين، هل يقصد بها السنة الراتبة، أو يقصد بها صلاة الفجر الفرض مثلاً؟
وهذا إنسان صلى ثلاث ركعات، هل يقصد بذلك الوتر، أو أنه نسي صلاة المغرب فصلاها بعد ذلك مثلاً وهكذا، فهذه النية تفرق بين أنواع العبادات، يعني: هذه تفرق بين العادة والعبادة، وتفرق بين أنواع العبادات، هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا.
الأصل أن النية واجبة في العبادة في مبدئها، يعني: لو أنه جاء وكبر وهو لا يشعر ولم ينوِ الصلاة ثم تذكر بعدما كبر، فإن صلاته لا تصح، لا بد من النية في أولها، من إحضار النية في أول الصلاة.
هل يصح عمل بلا نية؟هل كل الأعمال تطلب فيها النية؟ الأقرب أنه ليس كذلك، ليس كل الأعمال تطلب فيها النية، العلماء -رحمهم الله- ذكروا صورة لا تطلب فيها النية، ولكنها أيضاً ليست على إطلاقها، قالوا: ما لا يلتبس أو يشتبه بالعادة، فلا يحتاج إلى نية، مثل ماذا؟ الذكر، وقراءة القرآن، قالوا: هذا لا يقع إلا على وجه التعبد، والصحيح أنه يقع على غير وجه التعبد، ما إذا أراد به غير الله -تبارك وتعالى، يعني: الرياء والسمعة، يعني: لم يفعل ذلك لله، فعمله هذا مردود، فلا بد فيه إذن من نية الإخلاص.
لكن ما الذي لا يحتاج إلى نية؟ الذي يظهر -والله أعلم- على الأرجح أن الإنسان إذا أحسن إلى الناس، أحسن إلى الخلق، وجد محتاجاً فأعانه، وجد من يحتاج إلى الماء فسقاه، أطعم زوجته، أطعم أولاده، أو نحو ذلك، ولو لم ينوِ، فإنه يؤجر على هذا، ويدل على هذا حديث المرأة التي سقت الكلب[1]، لم يذكر أنها أرادت ما عند الله، وكذلك أيضاً يدخل في هذا من الصور أشياء، المرأة التي ذكرت في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- لما تصدقت عليها عائشة بثلاث تمرات، فأعطت ابنتيها كل واحدة تمرة، فبقيت واحدة، فلما رفعتها إلى فيها مدت كل جارية يدها تريد هذه التمرة، فشقتها بينهما نصفين، فذكر النبي ﷺ أنها بهذا العمل أدخلها الله الجنة[2]، فهذا يعني أنه يؤجر.
والنبي ﷺ قال: وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أما يكون عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلال[3]، فمثل هذه الألوان من الإحسان لا يحتاج إلى نية، لكن لا يقصد به قصداً سيئاً كالرياء والسمعة، فإن أحضر النية فيه، فهذا أكمل، وأفضل والله تعالى أعلم.
قال: في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية.
البارزة، مثل الصلاة، والأذان، والحج، والخفية مثل الصيام، لا يظهر هذا للناس، لكن لو أنه بقي من الفجر إلى المغرب، ولم يأكل ولم يشرب، هل يكون صائماً؟ يقال: بحسب نيته، إن نوى الصوم فإنه يكون صائماً، وإن لم ينوِ الصوم، ولهذا قال النبي ﷺ: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل[4].
مختارات

