فقه حمل الأمانة (١٠)
إن الله عزَّ وجلَّ يريد من المؤمنين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها في جميع الأحوال:
أمانة العبادات.
أمانة المعاملات.
أمانة الأخلاق.
أمانة العلم.
أمانة الاستقامة.
أمانة الدعوة.
أمانة الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام.
فيقفون في وجه الشر والفساد والطغيان، ولا يخافون لومة لائم:
سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين كفرعون.
أو الأغنياء المتسلطين بالمال.
أو الأشرار المتسلطين بالأذى.
أو العامة المتسلطين بالهوى.
وكل ما افترض الله على العباد فهو أمانة، فتعم جميع وظائف الدين.
والأمانة تشتمل على ثلاثة أمور:
الأول: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه، وعدم التفريط به أو التهاون بشأنه.
الثاني: عفة الأمين عما ليس له به حق.
الثالث: تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره.
وأداء الأمانة من صفات المؤمنين كما وصفهم الله بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)} [المؤمنون: ٨].
وقد أمرنا الله عز وجل بأداء الأمانات إلى أهلها كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨].
والأمانة لفظ عام يشمل كل ما استودعك الله أمره، وأمرك بحفظه.
فيدخل فيها حفظ القلوب والجوارح عن كل ما لا يرضي الله.
وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق العباد.
وتعم الأمانات كذلك جميع الواجبات على الإنسان.
سواء كانت واجبة لحق الله كالعبادات من صلاة وصيام ونحوهما، أو كانت واجبة لسبب من الأسباب كالكفارات والنذور ونحوهما من الحقوق الواجبة لله.
أو كانت واجبة لحقوق العباد بعضهم على بعض، بسبب من الأسباب كالودائع والديون ونحوهما.
ويدخل في ذلك الولايات كالإمامة والإمارة والوزارة والرئاسة والوظائف، وغير ذلك مما يؤتمن عليه الإنسان.
فكل ذلك داخل في الأمانة التي أمرنا الله بأدائها.
ويدخل في الأمانة التي يجب حفظها حفظ الجوارح عن المحرمات:
فاللسان أمانة.
والأذن أمانة.
والعين أمانة.
والقلب أمانة.
والبطن أمانة.
والفرج أمانة.
واليد أمانة.
والوقت أمانة.
والمال أمانة.
والأهل أمانة.
فاللسان أمانة يجب على المسلم استعماله في تلاوة القرآن، وقراءة الكتب النافعة، وتعليم أحكام الدين، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والوعظ والإرشاد، والإصلاح بين الناس، وما أوجبه الله من الأذكار.
يباح استعماله في حاجات المسلم كالبيع والشراء، والحديث النافع من الأهل والضيف.
ويحرم استعماله في الغيبة والنميمة، والسب والشتم، والسخرية والاستهزاء، وإفساد ذات البين، ومن فعل ذلك ونحوه فقد خان الأمانة، وقد حذر الله من ذلك بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)} [الأنفال: ٢٧].
والأذن أمانة يجب على المسلم أن يسمع بها ما ينفعه، وما أمره الله به، كالقرآن والحديث، وما فيه صلاح دينه ودنياه.
ولا يجوز أن يسمع بها ما حرمه الله من السوء والفحشاء، واللغو والسب، والغيبة والنميمة، وإفساد ذات البين، ومن فعل ذلك فقد خان الأمانة.
والعين أمانة يجب على المسلم أن يبصر بها ما أباحه الله له، وما فيه نفعه في العاجل والآجل، كالنظر في ملكوت السموات والأرض، ومصالح معاشه.
ولا يجوز أن ينظر بها إلى ما حرم الله من العورات والنساء الأجنبيات، ومن فعل ذلك فقد خان الأمانة.
والقلب أمانة، يجب عليه أن يملأه بالتوحيد والإيمان، والخوف والخشية من الله، والمحبة له، وتعظيمه، والذل له، والصدق والإخلاص، والخشوع والتقوى.
ولا يجوز أن يملأه الإنسان بالشرك والنفاق، والكبر والحسد، ونحو ذلك، فإن فعل فقد خان الأمانة.
والبطن أمانة، فيجب أن لا يدخل فيه إلا ما أحله الله من الطيبات بلا إسراف.
ومن أدخل بطنه شيئاً من المحرمات من مأكول ومشروب فقد خان الأمانة.
والفرج أمانة فيجب حفظه فيما أحل الله من الزواج والتسري، ومن تجاوز ذلك إلى الزنا والفواحش فقد خان الأمانة.
واليد أمانة فيجب استعمالها في طاعة الله، وكفها عما حرم الله، فمن استعمل يده في السرقة أو الغش أو تناول بها المحرمات أو قتل بها النفوس المعصومة فقد خان الأمانة.
والرجل أمانة، فيجب استعمالها في طاعة الله، كالمشي إلى الصلوات والجهاد، ومجالس العلم والذكر، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام ونحو ذلك.
ومن استعمل قدميه فيما حرم الله كالمشي للإفساد في الأرض، ومواطن الريب، وأماكن اللهو واللعب والخنا، فقد خان الأمانة.
والعقل أمانة، وأداء الأمانة فيه استعماله في طاعة الله ورسوله، بالتفكير في العلوم النافعة، وما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، ونحو ذلك.
ومن استعمل عقله في المكر والكيد، والخديعة والظلم، والكذب والتزوير، والحيلة الباطلة، والإضرار بالمسلمين فقد خان أمانة العقل.
والعلم أمانة، وأداء الأمانة فيه العمل به، ودعوة الناس إليه، وتعليمهم إياه، والصبر على الأذى الذي يحصل بسببه.
ومن لم يعمل بعلمه، ولم يدع الناس إليه، ولم يصبر على ذلك، فقد خان الأمانة.
والنفس أمانة، فيجب حملها على طاعة الله ورسوله، والعمل بالدين، والدعوة إليه، ومن أطلق لنفسه العنان، وتركها ترتع في اللهو والشهوات فقد خان الأمانة.
والوقت أمانة، فيجب حفظه بالعبادة والتعليم والدعوة والأعمال الصالحة، وطلب اللازم من المعاش.
ومن أضاع أوقاته في الشهوات والقيل والقال، والأعمال السيئة فقد خان الأمانة.
والمال أمانة فيجب كسبه من الحلال، وإنفاقه فيما يرضي الله، ونفع النفس والأهل والمسلمين به، ومواساة المحتاجين منه.
ومن اكتسبه من المحرمات، وأنفقه في المحرمات فقد خان الأمانة.
والأهل والأولاد أمانة، فيجب على المسلم رعاية هذه الأمانة، بشكر المنعم بها، وتربية الأهل والأولاد على الحق والدين، والسنن وحسن الأخلاق، بتعليمهم القرآن والسنة، والفقه الشرعي، وترغيبهم في معالي الأمور، وحفظهم من كل ما يضرهم، وأداء حقوقهم.
ومن أرخى لزوجته وأولاده العنان، وترك لهم الحبل على الغارب، يفعلون ما يشاؤون، ويأكلون ما يشاؤون، ويسمعون ما يشاؤون، وينظرون إلى ما يشاؤون، فقد خان الأمانة، وأضاع من تحت يده، وغدر بأقرب الناس إليه.
ومن أعظم الأمانات التي يجب رعايتها، ما ائتمن الله عليه بعض عباده، من ولاية عامة أو خاصة.
فولي أمر المسلمين يجب عليه أداء الأمانة.
بالنصح لرعيته.
وإيصال حقوقهم إليهم.
والحكم بينهم بما أنزل الله.
ونشر العدل والأمن.
والضرب على أيدي العابثين.
والمفسدين في الأرض.
ونصر المظلوم.
وقمع الظالم.
والإحسان إلى الناس.
وتعليمهم الدين.
ونشر الدين.
والجهاد في سبيل الله.
ومن تولى أمور المسلمين فغشهم.
ومنع حقوقهم.
وحكم بينهم بالظلم والجور.
ونشر الفساد.
وقمع الدعاة.
وأسكت العلماء.
وقعد عن نصر الدين ونشره، فقد خان الأمانة.
ويجب على الرعية طاعة إمام المسلمين، وأداء الأمانة له بالسمع والطاعة.
وعدم شق عصا الطاعة.
وعدم الخروج عليه.
ولزوم النصح له.
والتعاون معه على البر والتقوى.
والدعاء له بالهداية والصلاح والنصر.
وتجب طاعة الإمام ما لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
ومن غش الإمام، وشق عصا الطاعة، وخرج عليه ظلماً وعدواناً، فقد خان الأمانة.
والقاضي والأمير والوزير والموظف يجب عليه أن يؤدي الأمانة بالعدل بين الناس والإحسان إلى الخلق، والنصح لهم، وقضاء حوائجهم.
ومن تعمد ظلم الناس وغشهم وأكل أموالهم فقد خان الأمانة.
ألا ما أعظم الأمانة.
وما أشد حملها.
وما أثقل أداءها.
وإنه ليسير على من عرف ربه.
وعرف جزيل إنعامه.
وعرف ثوابها.
وعرف عقوبة الخيانة.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْتَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)} [النساء: ٥٨].
وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)} [الأنفال: ٢٧].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» أخرجه مسلم (١).
والأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فنوح وهود وصالح وغيرهم، كل رسول من هؤلاء قال لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)} [الشعراء: ١٠٧، ١٠٨].
وجبريل - صلى الله عليه وسلم - أمين الوحي كما وصفه الله بذلك بقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)} [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٨٢).
مختارات

