فقه حمل الأمانة (٩)
إن الله قادر على أخذه أخذاً شديداً في الدنيا والآخرة، عندما يحيد أو يتلفت عن هذا المنهج الذي يريده الله للبشرية، ممثلاً فيما يجيء به الرسل من الحق والعقيدة والشريعة.
فهذا المنهج وهذا الحق لا يجيء ليهمل ولا ليبدل، إنما يجيء ليطاع ويحترم، ويقابل بالاستجابة والتقوى، وإلا فهو الأخذ والقصم، وهناك الهول والروع فقد: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)} [الحاقة: ٤ - ١٠].
فثمود كذبوا رسولهم، فأخذهم الله بالصيحة الطاغية.
وعاد كذبوا رسولهم، فأخذهم بريح صرصر عاتية.
وفرعون ومن قبله من المكذبين أخذهم الله بالنقمة الرابية الغامرة الطامرة.
إنها تذكرة تلمس القلوب الخامدة، والآذان البليدة، التي تكذب بعد كل ما سبق من النذر، وكل ما سبق من المصائر، وكل ما سبق من الآيات، وكل ما سبق من العظات، وكل ما سبق من آلاء الله ونعمه على هؤلاء الغافلين.
وكل هذه المشاهد المروعة، الهائلة القاصمة الحاسمة، تبدو صغيرة ضئيلة إلى جانب الهول والموقف الأكبر، هول الحاقة والقارعة والصاخة والواقعة التي يكذب بها المجرمون، والتي ستقع بلا شك:
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)} [الحاقة: ١٣ - ١٥].
فإذا نفخ إسرافيل في الصور، قامت الخلائق لربها، ويتبع ذلك حركة هائلة للأرض والجبال، فترفع وتدك دكة واحدة، لتصبح أرضا مستوية.
إنه مشهد عظيم مروع، يشعر معه الإنسان بضآلته، وضآلة عالمه، إلى جانب هذه القدرة العظيمة، ولا يقتصر الهول على حمل الأرض والجبال ودكها دكة واحدة، فالسماء في هذا اليوم الهائل ليست بناجية: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)} [الحاقة: ١٦].
ويحشر الناس إلى ربهم، فيحاسب من قام بأداء الأمانة، ومن خان الأمانة فرداً فرداً، ونية وقولاً وعملاً، ويجازي كل إنسان بما عمل من خير وشر: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)} [الكهف: ٤٧].
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة كان يَعِدُ المؤمنين به، المبايعين له، وهم يبذلون الأموال والأنفس، ويضحون بالأوقات والشهوات، يعدهم بالجنة على الإيمان والعمل الصالح.
لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة، واستقبال المكاره، هذه القلوب يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد، بحيث لا تتطلع وهي تبذل كل شيء، وتحتمل كل شيء، إلى أي شيء في هذه الأرض، ولا تنتظر إلا الآخرة، ولا ترجو إلا رضوان الله، والفوز بالجنة.
قلوب مؤمنة مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء، وحرمان وعذاب، وتضحية واحتمال، بلا جزاء في هذه الأرض قريب، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة، وغلبة الإسلام، وظهور المسلمين.
حتى إذا وجدت هذه القلوب التي ذاقت حلاوة الإيمان.
وعرفت ما يجب عليها.
وعلمت أنه ليس أمامها في رحلة الأرض شيء إلا أن تعطي بلا مقابل.
وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للجزاء.
وموعداً كذلك للفصل بين أهل الحق والباطل.
وعلم الله منها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت.
أتاها النصر في الأرض.
وائتمنها على الحق لا لنفسها فقط.
ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي.
وهي أهل لأداء الأمانة.
تعمل بالدين.
وتحكم بالدين في حياتها.
وتدعو البشرية إلى الدين.
فقد كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه، ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تعطاه.
وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاءً إلا رضاه، والفوز بالجنة في الآخرة:
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)} [التوبة: ٧٢].
وبعد أن استقرت هذه الحقيقة في نفوس المؤمنين، جاء نصر الله في المدينة بعد أن أصبح المؤمن لا يتطلع إليه، وإنما يتطلع إلى رضوان الله والجنة.
وجاء نصر الله ذاته، لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج ولهذا الدين واقعية في الحياة الإنسانية، تقرره في صورة عملية محددة، وتبرزه في منتهى الجمال والكمال، ويكون قدوة للبشرية كلها إلى يوم القيامة:
في الإيمان.
وفي العبادات.
وفي المعاملات.
وفي المعاشرات.
وفي الأخلاق.
تراها الأجيال، وتقتدي بها الأمم في كل زمان ومكان.
فلم يكن النصر للمؤمنين جزاء على التعب والنصب والتضحية، وإنما كان قدراً من قدر الله له حكمته ومنافعه، به مكن الله المؤمنين أن يقيموا حياتهم وفق مراد الله، كما يحب الله، أما جزاؤهم فهو ينتظرهم في الآخرة: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
مختارات

