فقه حمل الأمانة (٨)
وقد منَّ الله على بني إسرائيل، فأرسل إليهم كليمه موسى - صلى الله عليه وسلم -، وآتاه التوراة، ثم تابع من بعده الرسل الذين يحكمون بالتوراة من بني إسرائيل، إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم -، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر.
ثم مع هذه النعم التي لا يعرف قدرها إلا الله، كلما جاءهم رسول بما لا تهواه أنفسهم استكبروا عن الإيمان به، ففريقاً من الأنبياء كذبوهم، وفريقاً قتلوهم: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)} [البقرة: ٨٧].
وقد خان اليهود الأمانة ونقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فطبع الله على قلوبهم: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)} [النساء: ١٥٥].
فلما فعلوا هذه الكبائر والجرائم والقبائح والفواحش، كتب الله عليهم لعنته وغضبه، وانتزع من أيديهم أمانة القيام على دينه في الأرض إلى يوم القيامة، فلم يعودوا صالحين للاقتداء، ولا مؤهلين لحمل الأمانة، فلا يستحقون إلا الذلة واللعنة والغضب: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)} [البقرة: ٦١].
فلما صار اليهود أشر خلق الله كفراً وظلماً وفساداً وعناداً أذلهم الله ولعنهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)} [المائدة: ٦٠].
وقد كان اليهود ينتظرون مبعث الرسول الأخير منهم، فيجمعهم بعد فرقة، ويعزهم بعد ذلهم، وكانوا يستفتحون بذلك على العرب.
ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون هذا النبي من العرب الأميين غير اليهود، فقد علم الله أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الكاملة للبشرية، بعدما ضلت وزاغت وكفرت بآيات الله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)} [البقرة: ٨٩].
وإن اختيار الله لفرد أو جماعة أو أمة، لحمل هذه الأمانة الكبرى، وليكون مستودع نور الله، وموضع تلقي فيضه، إن ذلك لفضل عظيم لا يعدله فضل.
فضل عظيم يربي على كل ما يبذله المؤمن من نفسه وماله وحياته.
والله عزَّ وجلَّ يذكر المؤمنين باختيارهم لحمل هذه الأمانة: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)} [الجمعة: ٤].
فاليهود قد انتهى دورهم في حمل أمانة الله، فلم تعد لهم قلوب تحمل هذه الأمانة التي لا تحملها إلا القلوب الحية الفاقهة المدركة الواعية المتجردة العاملة بما تحمل، فهم كما وصفهم الله بقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)} [الجمعة: ٥].
فبنو إسرائيل حملوا التوراة، وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة على أيدي الرسل، ثم لم يحملوها ولم يعملوا بها، ولم يعلِّموها.
فهم لم يقدروا هذه الأمانة، ولم يفقهوا حقيقتها، ولم يعملوا بها، ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلا ثقلها، فهو ليس صاحبها، وليس شريكاً في الغاية منها.
والذين حملوا أمانة العقيدة من هذه الأمة ثم لم يحملوها، فهؤلاء كأولئك اليهود، وأولئك كلهم كالحمار يحمل أسفاراً.
إن هذا الدين العظيم الذي أنزله الله أمانة، وأمر الدين والعقيدة جد خالص، حازم جازم، جد كله لا هزل فيه، ولا مجال فيه للهزل واللعب.
جد في الدنيا.
وجد في الآخرة.
وجد في ميزان الله وحسابه.
جد لا يحتمل التلفت عنه هنا أو هناك، قليلاً ولا كثيراً.
وأي تلفت عنه من أي أحد، أو إدخال فيه ما ليس منه، يستنزل غضب الله الصارم، وأخذه الحاسم، ولو كان الذي يتلفت عنه هو الرسول، فالأمر عظيم أكبر من الرسول، وأكبر من البشر، إنه الحق الذي لا تستقيم الحياة إلا به، الحق من رب العالمين: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)} [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].
فمتى يشعر الإنسان بعظمة القاهر الجبار؟.
ومتى يحس بضآلة نفسه أمام قدرة الله التي لا يقف لها شيء؟.
ومتى يقدر عظمة الأمانة التي تحملها؟.
مختارات

