فقه حمل الأمانة (٦)
إن حرية الاختيار التي أعطاها الله سبحانه للإنسان عبر عنها في القرآن الكريم بكلمة الأمانة فقال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)} [الأحزاب: ٧٢].
والأمانة معناها العام: أن يعطيك أحد شيئاً تحفظه عندك كأمانة بلا شهادة أحد، فإن كان هناك شهود، أو كُتب على ورقة، فهو دَيْن لا أمانة.
والأمانة التي حملها الإنسان، عرضها الله قبل ذلك على عدد من مخلوقاته العظام، السموات والأرض والجبال، لكن هذه المخلوقات جميعاً رفضت أن تحمل الأمانة، لأنها أحست أنها لن تستطيع أن تفي بها.
فالنِّعم التي أعطاها الله سبحانه لنا، لها حق أداء الشكر، وهذه المخلوقات كلها أحست بعجزها عن أداء حق الشكر لله عليها، ولذلك رفضت تحملها.
وجاء الإنسان وقَبِل حمل الأمانة، قَبِل أن يأخذ النِّعم، ويؤدي عنها حق الشكر، وحق العبادة لله، وأن يكون في ذلك مختاراً يفعل أو لا يفعل، وفرح الإنسان بأن لديه رصيداً من النعم التي سخرها الله له، يستطيع أن يسحب منها كما يشاء، دون أن يؤدي حق الله فيها، حق الشكر، وحق العبادة، وحق الطاعة.
ولقد كان الإنسان حين فرح بذلك ظلوماً لماذا؟
لأنه ظلم نفسه، فتحمل ما لا تقدر عليه هذه النفس الضعيفة، أمام مغريات الكون وشهواته.
ولأنه ظلم غيره، لأن البعد عن منهج الله سبحانه لا يتم إلا بظلم، فلو اتبعنا جميعاً الحق ما بعدنا عن منهج الله، ولا فسدت الأرض، فالحق هو ما يطالبنا الله به.
فإن اتبعناه فنحن لم نخن الأمانة، لأننا اتبعنا منهج الله في الأرض.
ولكن متى نخون الأمانة؟.
عندما نظلم، عندما نأخذ حق الغير، عندما نعتدي على حرمة غيرنا وماله وعرضه.
حينئذ نكون قد ظلمنا أنفسنا، وظلمنا الناس، وخنَّا الأمانة.
والإنسان عندما فعل ذلك كان جهولاً لماذا؟
لأنه ظن أنه سيكسب شيئاً، فقاد نفسه إلى الهلاك دون أن يكسب أي شيء.
فالإنسان حمل الأمانة.
أمانة الشكر على عطاء الله.
الشكر على نعمة الحياة.
الشكر على رزق الله.
الشكر على أن الله سبحانه يبارك له ويعطيه ويرزقه.
وينجيه من كل سوء.
ويدفع عنه كل شر.
حمل الأمانة التي تلزمه بالحق بين الناس.
وبالعدل في حكمه.
وباحترام حقوق الآخرين مهما كانوا ضعفاء.
لقد حمل الإنسان الأمانة، ونزل إلى الأرض، فماذا فعل؟
لقد استطاع الشيطان أن يصل إلى قلبه، وصوَّر له أنه يستطيع أن يملك، وأن يملك بلا حساب، ليشغله بذلك عن وظيفته، ويفسد عليه دينه.
بينما في الحقيقة أن ملك الإنسان ينحصر فيما ينفقه لحاجاته.
فأحياناً نجد إنساناً غنياً تقدم به العمر، ومع ذلك فهو يحاسب على كل قرش أنفقه، ويحاول أن يوفر بقدر ما يستطيع، وقد تعجب من ذلك، كيف تكون هذه الأموال كلها عند هذا الرجل، ثم يقتر على نفسه؟
إنها مسألة لا تتمشى مع حكم العقل، ولا مع منطق التفكير، ولكنها تتمشى مع قدر الله العليم الخبير.
فالمال رغم أن الرجل قد كسبه، ليس من رزقه، ولو كان رزقه لتمتع به، ولكنه مجرد حارس عليه، ليسلمه إلى صاحبه، وهو في دوره هذا بالحراسة على هذا المال.
إنما يأخذ منه رزقه فقط، ويبقى أميناً حافظاً على الجزء الباقي، حتى يوصله إلى أصحابه فيأخذوه، وربما أنفقوه فيما ينفع، أو فيما لا ينفع.
وقد حمل الله الإنسان أمانة الطاعة لله، والشكر لله، وجعل هذه الأمانة بينه وبين الله سبحانه، لا يطلع عليها أحد.
فالأمانة تكون بين العبد وربه، ولا يعرف ثالث عنها شيئاً، كذلك العبادة، وكل عمل يقصد به وجه الله تعالى، يكون بين الله والعبد.
وأفعال الإنسان الاختيارية قسمان:
قسم لا ثواب ولا عقاب عليه، كأن تحب أن تأكل صنفاً معيناً من الطعام أحله الله لك، أو تختار نوعاً من الفاكهة، أو تختار لون ثوبك، فهذه أنت حر فيها، وليس عليها ثواب ولا عقاب.
والقسم الآخر: الأعمال الاختيارية التي أنزل الله فيها أحكاماً بالفعل أو الترك، وهذا هو الاختبار الإيماني في الحياة، اختبار لحرية الإنسان في الفعل.
وقد يريد الإنسان أن يعمل عملاً، ولكنه لا يملك القدرة لإتمامه، فقد لا يتم العمل، لأن الله وحده هو الذي يريد، ويفعل ما يريد، ويقول للشيء كن فيكون.
وقد وضع الله عزَّ وجلَّ الإرادة الحرة للإنسان، في مكان لا يستطيع أحد في العالم أن يسيطر عليها.
إنها في القلب، وما هو داخل القلب لا يستطيع أحد، ولا تستطيع الدنيا كلها أن تصل إليه.
فأنت قد تكره إنساناً، ولكن ربما تحت التعذيب أو التهديد أو الخوف تتظاهر بالحب له، ولكن الحقيقة أنك تكرهه من داخل قلبك.
فالحساب هنا على الإرادة الحرة، التي لا يستطيع بشر ولا قوة في الأرض أن تجبرك على شيء فيها، ولكنها متروكة لك وحدك.
وهي لا تتغير ولا تتبدل، سواء كنت غنياً أو فقيراً، قوياً أو ضعيفاً، هذه المنطقة بالذات هي التي يتم على أساسها الحساب، تركها الله سبحانه وتعالى حرة لك، وجعلها مركز الأسرار والنيات والأمانات الخاصة بك.
هذه هي منطقة الأمانة التي حملتها.
ولكن لماذا هي أمانة؟
لأن ما فيها بينك وبين الله وحده؟.
فلا يستطيع أحد أن يعرف عنه شيئاً، فما في القلب سر بين العبد وربه، وهو الأمانة التي حملها الإنسان في الأرض، فإن فعل إثماً بإرادته الحرة بلا إكراه استحق العقاب.
وإن فعل خيراً، وقلبه مصدق لعمله، بلا محاولة للتظاهر أو التفاخر أثيب.
فالله سبحانه حينما أعطانا الاختيار.
حدد منطقة الاختيار في أعمالنا، وأخرج منها عدداًَ من الأعمال التي ليس فيها تشريع، وترك لنا حرية الاختيار بلا ثواب ولا عقاب، ثم جاء لمنطقة الأمانة، وجعل الثواب والعقاب فيها.
ولكن لماذا جعل الله منطقة الثواب والعقاب هي القلب؟.
والجواب: لأنه الجزء الوحيد الذي لا يسيطر على مشاعره أحد إلا أنت، فما في قلبك ملكك وحدك، بإرادتك وحدك، وليس لأحد سيطرة عليه.
وبذلك يكون الحساب عدلاً، لا يدخل فيه ظلم أبداً.
إن الكون كله قد أسلم لله، ورفض أن يكون مختاراً في أن يؤمن أو لا يؤمن، أسلم طوعاً، واختار الإيمان بالله دون أن تكون له إرادة في المعصية.
أما الإنسان فقد قبل حمل الأمانة، وأن يؤمن بالله باختياره عن حب، فأعطاه الله حرية الاختيار أن يؤمن أو لا يؤمن.
والله عزَّ وجلَّ حين أعطانا حرية الاختيار، وأعطانا وسخَّر لنا كلَّ ما في الكون، كان هذا من أجل الإنسان، ثم أعطانا الأمانة، وهي العقل وحرية الاختيار، وأشهدنا على نفسه بأنه الرب الخالق المالك لكل شيء، وبيده كل شيء، وله كل شيء.
خلق الدنيا من أجلنا، وجعلها مكان مؤقتاً للعمل.
وخلق الآخرة من أجلنا، وجعلها مكاناً دائماً للثواب والعقاب.
وأنزل إلينا المنهج الذي يسعدنا في الدنيا والآخرة.
وحملنا هذه الأمانة، فمن أدى الأمانة أسعده الله في الدنيا والآخرة.
وبعض الناس حمل الأمانة وراح يضيعها فيما لا ينفع، وفيما نهى الله عنه، معتقداً أن الدنيا دائمة، وأن الحياة بلا نهاية، كافراً بلقاء الله.
إن كل الذين أسلموا في عهد النبوة وبعده، أتوا باختيارهم طائعين، ولا يقبل قول من قال إن الإسلام انتشر بالسيف والإكراه، ذلك لأن السيف في الإسلام وضع لحماية حرية الإنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن، ولمنع الإكراه.
فقد كانت هناك قوى متسلطة على الناس بالسيف تكرههم على عبادة غير الله، وتمنعهم من عبادة الله، وترغمهم على عقائد زائفة، بل منهم من أكره الناس على عبادته.
فكان الحاكم ينصب نفسه إلهاً، فمن عبده فله الأمان، ومن لم يعبده فدمه مباح.
وهنا قال الإسلام: دعوا الناس أحراراً في اختيار ما يعتقدون، نعرض عليهم الإسلام، واعرضوا أنتم عليهم ما أردتم، وبعد ذلك: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: ٢٩].
إن سماحة الإسلام، وعظمة الإسلام، وجمال الإسلام، ورحمة الإسلام، وعدل الإسلام، هي الدافع لأن يعتنقه ملايين البشر، لأنهم رأوا فيه دين الحق والعدل والإحسان.
وكل من علم به، وأعرض عنه فهو مطرود محروم، ليس أهلاً لهذه النعمة التي أكرم الله بها عباده، فهو شاذ عن سائر المخلوقات بمعصيته للواحد القهار: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)} [آل عمران: ٨٣].
مختارات

