فقه حمل الأمانة (٥)
وميثاق الله تبارك وتعالى مع النبيين عامة، ومع أولي العزم خاصة، هو حمل أمانة هذا المنهج، والاستقامة عليه، وتبليغه للناس، والقيام عليه في الأمم التي أرسلوا إليها.
وهو ميثاق واحد مطرد من لدن نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى خاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وهو منهج واحد، وأمانة واحدة، يتسلمها كل منهم، ويقوم بحقها، حتى يسلمها إلى من بعده، حتى انتهت إلى سيد المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)} [الأحزاب: ٧].
والله عزَّ وجلَّ يطمئن رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه على صراط مستقيم، ويوصيه بالتمسك بما أوحي إليه من ربه، والثبات عليه، مهما لاقى من عنت الشاردين عن الطريق بقوله سبحانه: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)} [الزخرف: ٤٣].
إن هذا القرآن العظيم يرفع ذكرك وذكر قومك، بما فيه من الهدى والرشاد الذي سعدت به البشرية، وما زالت تسعد، والذي تحقق بفضل الله على يد الرسول ومن آمن معه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)} [الزخرف: ٤٤].
فأما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن ملايين الشفاه تصلي وتسلم عليه في كل لحظة، في كل زمان ومكان، ومئات الملايين من القلوب، تخفق بذكره وحبه، من بعثته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأما قومه فقد جاءهم هذا القرآن والدنيا لا تحس بهم، وإن أحست اعتبرتهم على هامش الحياة، وهو الذي جعل لهم الدور الأكبر في حياة البشرية.
وهو الذي واجهوا به الدنيا، فعرفتهم بالصدق والأمانة والعدالة، ودانت لهم طول الفترة التي تمسكوا فيها به.
فلما تخلوا عنه أنكرتهم الأرض، واستصغرتهم الدنيا، وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك، بعد أن كانوا قادة الموكب المرموقين.
وإنها لتبعة ضخمة ستسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة إذا هي تخلت عن الأمانة.
وقد ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من المهاجرين والأنصار على التضحية بكل شيءمن أجل إعلاء كلمة الله.
والتضحية تكون ببذل المحبوب للوصول إلى ما هو أحب منه، وترك المحبوب لما هو أحب منه، وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس، وذلك لا يكون إلا مع كمال الإيمان.
فالمهاجرون أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد من قرابتهم وعشيرتهم، لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله.
وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً كما قال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)} [الحشر: ٨].
خرجوا بدينهم معتمدين على الله، لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلا حماه، وهم مع أنهم مطاردون قليلون، ينصرون الله ورسوله بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات، وأضيق الأوقات، أولئك هم الصادقون الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه، وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه، وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه، تمشي به في الناس.
وهؤلاء السابقون من المهاجرين بذلوا كل شيء من أجل إعلاء كلمة الله، وضحوا بكل شيء من أجل نصرة دين الله.
فهم أفضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا غرابة فقد ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل إعلاء كلمة الله:
فضحوا بستة أشياء من أجل لا إله إلا الله، ضحوا بالأوقات.
والأنفس.
والأموال.
والبلدان.
والشهوات.
والجاه ولهذا سماهم الله بالصادقين، لأنهم أتبعوا القول بالعمل، وصدقوا فيما عاهدوا الله عليه.
ثم يليهم في الفضل الأنصار الذين قال الله عنهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)} [الحشر: ٩].
هذه المجموعة العجيبة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاماً طائرة.
هؤلاء الذين تبوءوا المدينة دار الهجرة قبل المهاجرين، كما تبوؤوا فيها الإيمان، وكأنه منزل لهم ودار.
وهذا موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان دارهم ونزلهم، ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه كما يثوب المرء إلى داره.
ولم تعرف البشرية كلها حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، لقد استقبلوهم بالحب الكريم، والبذل السخي، والمشاركة الطيبة في الأموال، وشاركوهم في الشعور والمشاعر، والإيمان والأعمال.
وتسابق الأنصار إلى الإيواء، واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة، لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين.
فلله در هذه الأنفس ما أعزها وما أكرمها وما أشرفها.
وهؤلاء الأنصار نفوسهم عزيزة كريمة، لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون من مقام مفصل، ومن مال يختصون به، كهذا الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وخصهم به دون الأنصار.
بل يؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد له البشرية نظيراً، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر.
وحين أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمة ما أفاء الله عليه من أموال بني النضير قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة»؟.
وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم من الغنيمة شيء؟
فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها.
فلله در هذه النفوس الأبية، وتلك القلوب الزاكية النقية.
وشح النفوس هو المعوق عن كل خير، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، وقد حمى الله الأنصار منه.
ولا يمكن أن يفعل الخير شحيح يهم أن يأخذ دائماً، ولا يهم مرة أن يعطى.
على يد هؤلاء المهاجرين.
وهؤلاء الأنصار.
قام شكل الدين.
وقامت روح الدين.
وقامت أخلاق الدين.
وكمل بناء الدين على أجمل صورة.
وانتقلت أعمال الدين من جسد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هؤلاء، وكانوا نواة الإسلام الأولى، فحملوا الأمانة، وقاموا بها خير قيام، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
فأيُّ رجال أولئك؟.
ماذا تركوا من الفضائل والأخلاق ما تجملوا به؟.
وماذا تركوا من البلاد والأمصار ما فتحوها بلا إله إلا الله؟
أما الصورة الثالثة الجميلة الرضية الواعية فهي تمثل أول مجموعة انتقلت إليهم صفاتهم، وهم التابعون: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)} [الحشر: ١٠].
فهذه الآية تبرز أهم ملامح التابعين، كما تبرز أهم خصائص الأمة الإسلامية على الإطلاق، في جميع الأوطان والأزمان.
هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار، سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى الله في طلب المغفرة لنفسها، ولسلفها الذين سبقوها بالإيمان، وفي طلب براءةالقلب من الغل على المؤمنين على وجه الإطلاق، مع الشعور واليقين برأفة الله ورحمته.
هذه قافلة الإيمان تحمل جمال الظاهر.
وجمال الباطن.
وإنها لقافلة كريمة على الله وعلى الناس.
إنها تقف صفاً واحداً، وكتيبة واحدة، على مدار الزمان والمكان، واختلاف الأوطان والأنساب واللغات، تحت راية الله ورسوله.
تقف بإيمانها مترابطة، متكافلة، متوادة، متعاونة صاعدة في طريقها إلى الله.
فهل عرفتَ بشراً أفضل من هذا الطراز؟
وهل رأيت صدقاً وجمالاً وحسناً بلغ كماله في أحسن من هؤلاء؟
فأي جزاء وثواب، وأي مغفرة وأجر، ينتظر هؤلاء عند ربهم؟
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
ومن كان مستناً فليستن بمن قد مات من المؤمنين، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة:
أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، وأدوا حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
انتقلت إليهم صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا القرن الأول الذين تلقوا أحكام الدين وسننه وآدابه وأخلاقه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة.
وبذلوا من أجل ذلك كل شيء، فكانت أوقاتهم للدين.
وأفكارهم للدين، وأنفسهم للدين.
وأموالهم للدين.
وأعمالهم كلها قائمة على الدين.
أئمة في العبادة.
وأئمة في الدعوة.
وأئمة في التعليم.
وأئمة في التعاون على البر والتقوى.
والتواصي بالحق.
والتواصي بالصبر.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)} [الأنفال: ٧٤].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَسُبُّوا أصْحَابِي، لا تَسُبُّوا أصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا، مَا أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَه» متفق عليه (١).
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٦٧٣)، ومسلم برقم (٢٥٤٠) واللفظ له.
مختارات

