فقه خلق الأسباب (٦)
فالأرزاق كلها بيد الرزاق وحده، والأسباب وسيلة للوصول إليها، والله خالق الرزق، وخالق المرزوق، وخالق السبب الموصل إلى الرزق: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)} [الأنعام: ١٠٢].
والاستعانة بالله في كل عمل استعانة بالقادر الذي لا يعجزه شيء، ورد الفعل إلى الفاعل الذي بيده كل شيء.
فالأسباب تعمل بأمر الله، ونسبة العمل إلى الأسباب وحدها تبعدنا عن الله سبحانه.
فالله مالكها، ومالك الكون كله، وهي لا تخرج عن تدبيره وأمره.
ولقد مكن الله بعض خلقه من الأسباب الظاهرة في الأرض، فهذا رئيس دولة.
وهذا ميسر له أسباب النفوذ والسلطان.
وهذا ميسر له أسباب المال، وجعل الله العطاء ظاهراً فقط من هذه الأسباب ليسير الكون فماذا حدث؟.
لقد ظن أكثر الناس أن عطاء الأسباب في يد هؤلاء وحدهم، وأن مخالفتهم ستؤدي إلى الحرمان من مقومات الحياة، وأن طاعتهم ولو في معصية الله ستعطي الإنسان الحياة الرغدة التي يتمناها، فماذا حصل؟.
لقد وقف الناس بأبوابهم لا يرجون إلا إياهم، ولا يخافون إلا منهم، وازدحم الناس على باب العبد الفقير، أما باب الملك الغني القوي العزيز فقلما يقف عليه أحد، وهذه خطورة الأخذ بالأسباب وحدها.
وهي خطورة تعرض الكون كله للاختلال والفساد، وتكثر من البغي في الأرض، والشرك بالله، والإعراض عنه، والاعتماد على غيره.
فالأسباب نؤمن بها ولا نتوكل عليها، بل نباشرها ونتوكل على الله وحده.
وما من أمة عبدت الأسباب، إلا انتشر فيها الظلم، وعم فيها الإرهاب والفوضى، وضاع فيها الحق، وقام فيها سوق الباطل، واستعبد فيها الإنسان، وضل عن ربه، وحل بها البلاء والعقوبة، كما حكى الله أحوال أهل الأسباب في سورة الأعراف وهود والشعراء.
إن ظهور القدرة الإلهية، بجانب الأسباب تنبيه للناس ليعلموا أن الله هو الذي أعطى الأسباب، ويستطيع كما أعطاها أن يمنعها، فهو الذي بيده كل شيء.
فمن ترك المسبب وعبد السبب فقد ضل.
فمن كان يملك الجاه والسلطان ثم أصبح طريداً لا يجد من يصافحه.
ومن ينتقل من الحكم إلى السجن، ومن يخرج من السجن إلى الحكم، ومن كان يملك الثروة والأموال ثم أصبح فقيراً تجمع له الصدقات.
كل ذلك وغيره يحدث أمامنا ليذكرنا بقدرة الله وحكمته ومشيئته، وأنه هو الذي يعطي الملك والجاه والسلطان، وهو الذي يسلبها إذا شاء.
فإذا عبد الناس هذه الأسباب، وانطلقوا يسجدون لها أزالها الله، ولكن لماذا؟.
لكي يفيق الناس ويعلموا أن الله هو الذي أعطى الأسباب، وأن هذه الأسباب ليست ذاتية للحاكم أو الغني.
ولو كانت ذاتية لما زالت عنه، بل جميع المخلوقات والأسباب ملك لله وحده: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)} [آل عمران: ٢٦].
وجميع الأسباب التي خلقها الله في قبضة الله، فهي لا تعمل بذاتها، ولا تعطي بذاتها، وإنما تعمل وتعطي بإرادة الله، الذي هو على كل شيء قدير، والذي ترى قدرته في ضعيف ينصره الله على قوي كما نصر الله موسى على الطاغية الجبار فرعون، ونرى قدرته في مظلوم ينصره الله على ظالم.
وحين تضيق الأسباب وتعجز، يأتي فرج الله كما قال سبحانه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)} [الأنفال: ٢٦].
فإذا انتصر قوي على ضعيف فهنا ظهور قدرة الله بالأسباب، وإذا انتصر ضعيف على قوي فهنا ظهور قدرة الله بضد الأسباب، وتارة تظهر قدرة الله بدونالأسباب: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)} [يس: ٨٢].
والمؤمن إذا عزت عليه الأسباب توجه إلى ربه فسأله، لأنه يعلم أنه إذا كانت الأسباب لا تعطيه، فإن الله الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء قادر أن يعطيه بدون الأسباب، وينجيه كما أنجى يونس في الظلمات حين ناداه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)} [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].
وكما طلب زكريا الولد مع كبر سنه وسن زوجته فاستجاب الله له كما قال سبحانه: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)} [مريم: ٧ - ٩].
ولكل مؤمن حظ من الاستفادة من قدرة الله فإن الله لا يعجزه شيء، والمؤمن لا ييأس كما أمره الله بقوله: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)} [يوسف: ٨٧].
فحين تضيق الأسباب بالناس، وتغلق الدنيا أبوابها أمامهم، الكافر وغير المؤمن بالله يصيبه يأس قاتل ينتهي به إما إلى الجنون أو الانتحار.
أما المؤمن بقضاء الله وقدره فيظل ثابتاً لا تزعزعه الأحداث، ويتوجه إلى ربه وهو مؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله سيجعل له بعد العسر يسراً، ويجعل له بعد الكرب فرجاً ومخرجاً: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)} [الطلاق: ٢، ٣].
اللهم علمنا ما ينفعنا.
وانفعنا بما علمتنا.
إنك أنت العليم الحكيم.
مختارات

