خطر النفاق (١)
قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)} [النساء: ١٤٥].
وقال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)} [التوبة: ٦٨].
المنافقون قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر، ومعاداة الله ورسله، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وهؤلاء في الدرك الأسفل من النار، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف منهم عذاباً، والمنافقون تحتهم في دركات النار.
فالطائفتان اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، وهم الذين يدلون العدو على عورات المسلمين، ويتربصون بهم الدوائر صباحاً ومساءً.
وهم أشقى الأشقياء، ولهذا يستهزأ بهم في الآخرة، كما استهزؤوا بالمسلمين في الدنيا، ويعطون نوراً يتوسطون به على الصراط، ثم يطفئ الله نورهم:
{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)} [الحديد: ١٣].
ويضرب الله بينهم وبين المؤمنين: {بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)} [الحديد: ١٣ - ١٥].
فهؤلاء المنافقون خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداء.
فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم، كانوا أغلظ كفراً، وأخبث قلوباً: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)} [المنافقون: ٣].
وجماعة المنافقين اندسوا في صفوف المسلمين باسم الإسلام بعد أن غلب وظهر وعلا أمره.
فرأى هؤلاء أن حب السلامة، وحب الكسب يقتضيان أن يحنوا رؤوسهم للإسلام، وأن يكيدوا له داخل الصفوف سرا، بعد أن عز عليهم أن يكيدوا له خارج الصفوف علانية.
وهؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى الجهاد والبذل تخلفوا عن الركب، ونكصوا عن البذل، ومالوا إلى عرض تافه، أو مطلب رخيص في كل زمان، وفي كل مكان: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)} [التوبة: ٤٢].
إن هؤلاء المنافقين يعيشون على هامش الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع، ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي.
يهلكون أنفسهم بهذا الحلف، وبهذا الكذب، وما يكذب إلا الضعفاء الأقزام.
ويخيل إليهم أن الحلف والكذب على الناس سبيل النجاة.
والله يعلم الحق، ويكشفه للناس، ويهلك الكاذب في الدنيا والآخرة.
ألا ما أخطر المنافقين على المسلمين، خاصة في ميدان الجهاد، فالنفوس الخائنة خطر على الجيوش المتماسكة: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)} [التوبة: ٤٧].
إن القلوب الحائرة تبث الخدر والضعف في الصفوف، ولو خرج المنافقون ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم، بل لزادوهم اضطراباً وفوضىً، ولأسرعوا بينهم بالوقيعة والفتنة، والفرقة والتخذيل، وفي المسلمين من يسمع لهم.
والله عزَّ وجلَّ عليم بالمنافقين لا يبعث فيهم همة الخروج مع المسلمين للجهاد، لما يعلمه من سوء نواياهم، فأقعدهم مع القاعدين الذين لا يستطيعون الغزو، فهذا مكانهم اللائق بالهمم الساقطة، والقلوب المرتابة، والنفوس الخاوية من اليقين: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)} [التوبة: ٤٦].
وقد وقف المنافقون في وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبذلوا ما في طوقهم لتمزيق كلمة المسلمين، حتى غُلبوا على أمرهم، فاستسلموا وفي القلب ما فيه: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)} [التوبة: ٤٨].
وكان ذلك عند مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة، قبل أن يظهره الله على أعدائه، ثم جاء الحق، وانتصرت كلمة الله، فحنوا لها رؤوسهم وهم كارهون لله ورسوله ودينه، وأتباعه.
وظلوا يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين، وهم كذلك إلى يوم القيامة ولا يخلو منهم زمان ولا مكان.
إن الإيمان الحق متى استقر في القلب، ظهرت آثاره في السلوك، والإيمان عقيدة متحركة من الشعور الباطن إلى حركة سلوكية واقعية، فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم، ويبذلون في سبيله أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم.
والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها، ثم يدعها ويمضي مخالفاً لها، وقد كان المنافقون يدعون الإيمان، ويخالفون مدلوله: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)} [النور: ٤٧].
وهذا الفريق الذي يدعي الإيمان، ثم يسلك هذا السلوك الملتوي، إنما هو نموذج للمنافقين في كل زمان ومكان.
المنافقين الذين لا يجرؤون على الجهر بكلمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام، ولكنهم لا يرضون أن تقضي بينهم شريعة الله إلا أن تكون لهم مصلحة، لعلمهم أن حكم الله ورسوله لا يحيد عن الحق، ولا ينحرف عن الهوى، ولا يتأثر بالمودة والشنآن.
هذا الفريق الناقص من الناس لا يريد الحق، ولا يطيق العدل، ومن ثم يعرضون عن التحاكم إليه: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)} [النور: ٤٨، ٤٩].
إن الرضا بحكم الله ورسوله هو دليل الإيمان الحق، وهو المظهر الذي ينبئ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وهو الأدب الواجب مع الله ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وما يرفض حكم الله ورسوله إلا سيئ الأدب، لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يشرق قلبه بنور الإيمان.
إن حركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها، فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه.
فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشر في العشائر والبيوت، بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا للإسلام وللرسول أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا للتظاهر بالإسلام على كره، وهم يضمرون الكفر والحقد والبغضاء، ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر.
وكان وجود اليهود في المدينة، وتمتعهم فيها بقوة عسكرية ومالية، وكراهيتهم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولدينه وأتباعه مشجعاً للمنافقين.
وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد، فأخذوا جميعاً يحيكون الدسائس والمؤامرات في كل مناسبة ضد المسلمين.
فإن كان المسلمون في شدة جهروا بعدائهم وبغضائهم.
وإذا كان المسلمون في رخاء ظلت المؤامرات والدسائس سرية.
ودبرت المكايد في الظلام.
فما أخطر المنافقين الذين تولوا عن الإيمان بعد إذ شارفوه: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)} [محمد: ٢٥، ٢٦].
ألا ما أخسر صفقة النفاق والمنافقين، إنهم عند الموت تُضرب وجوههم وأدبارهم، الأدبار التي ارتدوا إليها من بعد ما تبين لهم الهدى، فيا لها من مأساة وخسارة: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)} [محمد: ٢٧، ٢٨].
فالمنافقون هم الذين اختاروا لأنفسهم هذا المصير، وهم الذين عمدوا إلى ما أسخط الله من نفاق ومعصية وتآمر مع أعداء الله وأعداء دينه من اليهود.
وهم الذين كرهوا رضوانه فلم يعملوا له، بل عملوا ما يسخط الله ويغضبه، فأحبط أعمالهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)} [محمد: ٢٨، ٢٩].
تلك الأعمال التي يُعجبون بها، ويحسبونها مهارة وبراعة، يتآمرون بها على المؤمنين، ويكيدون لهم، فإذا بهذه الأعمال تورثهم ذلة في الدنيا، وعذاباً في الآخرة: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)} [النساء: ١٤٠].
مختارات

