خطر الكفر (١)
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)} [البقرة: ١٦١].
وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)} [النساء: ٥٦].
كان الناس أمة واحدة على فطرة التوحيد التي فطر الله الناس عليها، ثم جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، ليردوهم إلى فطرة التوحيد، وليحكموا بينهم بكتاب الله الذي يشتمل على الأخبار الصادقة، والأوامر العادلة كما قال سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:: ٢١٣].
وبعد بعثة الرسل كان الناس ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: أهل الإيمان والصدق، الذين استقر الإيمان في قلوبهم، وظهرت آثاره على جوارحهم، وهؤلاء خير الناس كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)} [البينة: ٧].
الطائفة الثانية: أهل الكفر والشرك، الذين استقر الكفر والشرك في قلوبهم، وظهرت آثاره على جوارحهم، فهؤلاء أخسر الخلق وأضلهم وأشرهم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)} [البينة: ٦].
الطائفة الثالثة: أهل النفاق، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، وهؤلاء أشر الطوائف عند الله، وعذابهم من أشد العذاب يوم القيامة كما قال سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)} [النساء: ١٤٥، ١٤٦].
وكما أن للإيمان أركاناً، فكذلك للكفر أركان.
وأركان الكفر أربعة وهي:
الكبر.
والحسد.
والغضب.
والشهوة.
فالكبر يمنع الإنسان من الانقياد للحق.
والحسد يمنعه من قبول النصيحة وبذلها.
والغضب يمنعه من العدل.
والشهوة تمنعه من التفرغ للعبادة.
فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد، وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة.
ومنشأ هذه الأربعة من أمرين:
جهل العبد بربه.
وجهله بنفسه.
والكفر بالله أقسام:
أحدها: كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الأسلاف، وهو كفر أكثر الأتباع والعوام الذين يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)} [الزخرف: ٢٣].
الثاني: كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق، ككفر اليهود والنصارى، وزعماء قريش بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رئاسة علمية في قومه كالأحبار والرهبان.
أوله رئاسة سلطانية كفرعون وكسرى وقيصر.
أوله تجارة وأموال في قومه كقارون وأبي بن خلف.
فيخاف هذا على ماله، وهذا على سلطانه، وهذا على مكانته، فيؤثر الكفر على الإيمان عمداً.
الثالث: كفر إعراض محض، فلا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه ولا يبغضه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل هو معرض عنه إلى غيره.
وموانع الإيمان كثيرة:
فقد يعرف الإنسان الحق، ويلتذ به ويحبه، لكن يمنعه مانع من قبوله، إما لضعف المعرفة.
أو لعدم الأهلية وإن كانت المعرفة تامة كالأرض الصلبة لا تنتفع بالماء، فكذلك القلب الحجري لا يقبل التزكية ولا تؤثر فيه النصائح، كما لا تنبت الأرض الصلبة، ولو أصابها كل مطر.
والسبب الثالث: قيام مانع من حسد أو كبر، وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر، وهذان داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وهما اللذان منعا اليهود والمنافقين وزعماء قريش من الإيمان، حملهم الكبر والحسد على الكفر بالله ورسوله.
والسبب الرابع: مانع الرياسة والملك، وإن لم يكن بصاحبه حسد أو كبر، لكن يمنعه من الانقياد الضن بالملك والرياسة، كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار.
وهو داء فرعون وقومه الذين قالوا: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)} [المؤمنون: ٤٧].
والسبب الخامس: مانع الشهوة والمال، وهو الذي منع كثيراً من الناس من الإيمان، خوفاً من بطلان مآكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم الكفار.
وكذلك الرغبة في الشهوات من الخمر والزنا، فتتفق قوة داعي الشهوة والمال، وضعف داعي الإيمان، فيجيب داعي الشهوة والمال.
السبب السادس: محبة الأهل والأقارب والعشيرة، فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، فيبقى على كفره بينهم.
السبب السابع: محبة الدار والوطن، وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب، ولكن يرى أن في الإسلام خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة، فيضن بداره ووطنه عن الإسلام.
السبب الثامن: من رأى أن في الإسلام، ومتابعة الرسول، إزراءً وطعناً منه على آبائه وأجداده، وذماً لهم.
وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام، لئلا يسفه عقول وأحلام آبائه وأجداده، حتى قال عند موته لما عرض عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإسلام: هو على ملة عبد المطلب، مع يقينه بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصدقه.
السبب التاسع: متابعة من يعاديه من الناس للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وسبقه إلى الدخول في الإسلام، وعلو شأنه فيه، فيحمله ذلك على معاداة الحق وأهله، كما جرى لليهود مع الأنصار، فلما أسلم الأنصار، وكانوا أعداء اليهود، حملتهم معاداتهم لهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم.
السبب العاشر: مانع الإلف والعادة والمنشأ، وهذا السبب أغلب على الأمم، فدين العوايد هو الغالب على أكثر الناس، فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثابتة، وعن دار إلى دار أخرى.
فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله، خصوصاً خاتمهم وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
كيف غيروا عوائد الأمم الباطلة، وطريقة حياتهم المعوجة، ونقلوهم إلى الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية، وبذلوا كل ما يقدرون عليه من أجل إعلاء كلمة الله.
وكل من كفر بالله واستكبر عن عبادة الله لا بدَّ أن يعبد غيره، فالإنسان حساس يتحرك بالإرادة، وكل إرادة لا بدَّ لها من مراد تنتهي إليه، فلا بدَّ لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته.
فمن لم يكن الله معبوده، ومنتهى حبه وإرادته، فلا بدَّ أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله.
إما المال.
وإما الجاه.
وإما الصور.
وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله كالشمس والقمر.
والكواكب والأوثان.
وقبور الأنبياء والصالحين.
أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً من دون الله كما قال سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)} [التوبة: ٣١].
مختارات

