خطر الكفر (٢)
وكلما كان العبد أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكاً بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله، ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب، ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات، إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه.
وكلما قويت عبودية العبد لله أبرأه الله من الكبر والكفر والشرك.
والكبر غالب على اليهود.
والشرك غالب على النصارى.
واليهود كثيراً ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به، حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل، ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه.
والنصارى كثيراً ما يعدلون المخلوق بالخالق، حتى جعلوا في المخلوقات من نعوت الربوبية، وصفات الإلهية، ويجوزون له ما لا يصلح إلا للخالق سبحانه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)} [المائدة: ٧٢].
وكلما كان في القلب حب لغير الله، كانت فيه عبوديته لغير الله بحسب ذلك، ولا يجوز لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا يخرجه من الإسلام بعمل، إلا إذا تضمن ترك ما أمر الله به كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت فإنه يكفر به.
وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلاة والزكاة ونحوهما.
وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالشرك والفواحش، والظلم والقتل ونحو ذلك.
والإنسان لا يقطع علاقته بالله، ولا يبتعد عنه، إلا إذا تغلبت عليه الأهواء واللذات، فيقبل عليها ويبتعد عن ربه، ويشتغل بها عن طاعة الله وعبادته.
وسبب هذا الضلالة والجهالة التي قادته إلى الكفر والذل والهوان، فإن الله أكرم الإنسان فخلقه بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة.
وجعله أشرف المخلوقات، ليتذوق حلاوة الإيمان، ولذة مناجاة الله، وسماع كلامه، والابتهاج بذكره.
فكيف يذل نفسه الكريمة فيتخذ حجراً أو صنماً أو معبوداً غير الله، ويفقد شعوره بعظمته ومكانته؟.
وكيف يذل نفسه لنظيره، أو لما هو أدنى من نوعه، ذل عبودية وعبادة؟
وقد يذل نفسه لعضو من أعضائه، فيكون عبداً له، كمن يصرف كل قواه الفكرية في نيل شهوة بطنه ليأكل ما حل وحرم، أو فرجه لينكح ما حل وحرم، أو أذنه ليسمع ما حل وحرم، أو عينه فيرى ما حرم الله، أو لسانه فيتكلم بما يغضب الله.
فيكون الإنسان بذلك من أذل العبيد وأحقرهم، لأن تلك الأعضاء خلقها الله لتخدمه وتنفعه، لا لتسخره وتستعبده.
وسبب هذا كله جهالته، فإن كمال الإنسان بقهر ملذاته الحسية بإرادته، والإقبال على كمالاته الروحية وإخضاعها لأوامر الله عزَّ وجلَّ.
والطاغوت: مأخوذ من الطغيان الذي هو مجاوزة الحد.
ويطلق الطاغوت على كل ما صرف عن عبادة الله وطاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه.
فالشيطان طاغوت.
لصرفه الناس عن عبادة خالقهم، وإغوائه لهم حتى عبدوا غير الله، وسفكوا الدماء، وأحلوا الحرام، وحرموا الحلال.
والأوثان والأصنام، والقباب والأشجار التي تعبد من دون الله، كلها طواغيت.
لأنها صرفت عن عبادة الله تعالى بعبادة الناس لها.
والحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت.
لأنه نصب نفسه منصب الإله المشرع، فبدل أن يحكم بما أنزل الله، تجاوز ذلك وأصبح يحكم بهواه، وتجاوز حده من عبد لله ينفذ أحكام الله إلى مشرع يحكم بما يريد.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نؤمن بالله ونعبده، ونكفر بالطاغوت ونجتنبه أياً كان شكله ومنزلته:
سواء كان إنساً أو جناً، أو حجراً أو شجراً، أو وهماً أو خيالاً، أو هوى أو شهوة، أو مالاً أو جاهاً، أو وظيفة أو غيرها كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: ٣٦].
فكل ما صرف القلوب عن طاعة الله إلى طاعة غيره فهو طاغوت.
وكل ما تنعم به الكافرون من النعم، وكل ما تركوه من واجبات الدين كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها، وكل ما اقترفوه من الآثام والمحرمات، فهذا كله يحاسب عليه الكفار يوم القيامة.
لكنهم إذا أسلموا لا يجب عليهم قضاء الواجبات، لأنهم كفار، سواء كانت الرسالة بلغتهم أم لم تبلغهم، وسواء كان كفرهم جحوداً أو عناداً أو استكباراً أو جهلاً.
وإذا أسلم الكفار فإن الله يغفر لهم ما سلف من الذنوب كما قال سبحانه:
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)} [الأنفال: ٣٨].
وكما أن الإيمان له شعب، فكذلك الكفر له شعب كالكذب والشك، والسخرية والكبر، والنفاق والظلم، والحسد والبغي ونحو ذلك.
فكفار مكة لما دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام عارضوه بشعب الكفر والشرك.
فكذبوا بوحي الله فقالوا: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: ٩١].
وشككوا في وحدانية الله فقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)} [ص: ٥].
وأنكروا لقاء الله يوم القيامة فقالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)} [ق: ٣].
وسخروا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)} [الفرقان: ٤١].
واقترحوا أن يكون مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملك كما قال سبحانه: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)} [الفرقان: ٧].
وقالوا لو أنزل هذا القرآن على ذي سلطان ومال لاتبعناه: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)} [الزخرف: ٣١].
وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو اتبعناك فمن يحمينا من الناس؟
{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)} [القصص: ٥٧].
إلى آخر ما قالوا من الكذب والبهتان، والتهكم، والسخرية، والعناد والجحود، وما فعلوه برسول الله من السب والأذى.
والله عزَّ وجلَّ يأمره بالصبر والحلم عليهم كما قال سبحانه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)} [المزمل: ١٠].
ويأمره بالثبات على الدين، ولزوم عبادة الله كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)} [الحجر: ٩٧ - ٩٩].
ومن أقبل على الله وطلب هداه، شرح الله صدره للإسلام، وملأ قلبه بالإيمان، واستعمل جوارحه في طاعته وعبادته.
ومن أعرض عن الهدى فلم يسمعه ولم يطلبه ولم يقبله، شقى في الدنيا والآخرة، واستعمل الشيطان فكره وقلبه وجوارحه في معصية الله، وسخطه وغضبه: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)} [النساء: ٣٨].
مختارات

