خطر الجهل (٦)
وفي ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم حكم عظيمة:
منها استخراج عبوديتهم لله وذلهم له، وافتقارهم إليه، وسؤالهم نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مغلوبين مقهورين، لما قامت للدين قائمة، ولا قامت للحق دولة.
فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه، وإذا غَلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.
ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ولو كانوا مغلوبين مقهورين لم يدخل معهم أحد.
ولكي يتميز من يريد الله ورسوله، ومن يريد الجاه والدنيا، جعل الله لهم الدولة تارة.
وعليهم تارة: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)} [آل عمران: ١٤٠، ١٤١].
والله سبحانه حكيم عليم، يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم.
فلكل حالة عبودية خاصة لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والراحة والتعب، والري والعطش، والشبع والجوع.
فامتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم.
والله سبحانه إنما خلق السموات والأرض، وخلق الحياة والموت، وزيَّن الأرض بما عليها، لابتلاء عباده وامتحانهم، ليعلم من يريده ممن يريد الدنيا وزينتها، وليعلم الصادق من الكاذب: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)} [العنكبوت: ٢، ٣].
فلا بدَّ من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن قد يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة.
والكافر والمنافق والفاجر قد تحصل له اللذة والنعيم ابتداء، ثم يصير إلى الألم والحسرة، فلا يطمع أحد أن يخلص من المحنة والألم البتة.
والإنسان لا بدَّ له أن يعيش مع الناس، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم، وفي الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفي المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم.
والكافر كالأعمى الذي يتردى في حفرة، لا بدَّ من رحمته والأخذ بيده قبل أن يسقط، ولو تركناه حتى يسقط نكون ظالمين.
فكذلك الكافر لو تركناه على كفره حتى يموت يدخل النار، فلا بدَّ من رحمته ودعوته والأخذ بيده، والإحسان إليه، حتى يدخل نور الإيمان في قلبه.
ولكن أكثر المسلمين اليوم بسبب جهلهم وغفلتهم تركوا العاصي ومعصيته، فكيف بالكافر، وحُرموا الحزن على العاصي، ثم حرموا الحزن على الكفار، فقل نزول الهداية بسبب ترك الدعوة، والفكر في هداية البشرية، وتحول الفكر من الإيمان والأعمال الصالحة، إلى الفكر في زيادة الأموال وتملك الأشياء.
وهذا كله من جهل الإنسان بربه، وكفره بنعمه، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، فمَنَّ عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم أن الخالق البارئ المصور، العزيز الرحيم، الغني الكريم، الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، وتخلص له سائر الأعمال في العسر واليسر، وفي الشدة والرخاء.
لقد أكرم الله بني آدم بجميع وجوه الإكرام.
فكرمهم بالعلم والعقل، والسمع والبصر، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب.
وجعل سبحانه منهم الأولياء والأصفياء، والصديقين والشهداء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة.
وحملهم سبحانه في البر على الإبل والخيل، والبغال والحمير، والمراكب البرية والجوية.
وحملهم سبحانه في البحر على السفن والمراكب.
ورزقهم سبحانه من الطيبات من المآكل والمشارب، والملابس والمناكح فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به، ويسره لهم غاية التيسير.
وفضلهم عزَّ وجلَّ على كثير من خلقه، بما خصهم به من المناقب، وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)} [الإسراء: ٧٠].
أفلا يقوم الناس بشكر من أولى النعم، وحباهم بها، ودفع عنهم النقم؟.
ألا ما أجهل البشر حين تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم، بل ربما استعانوا بها على معصيته؟
إن كل من كان في هذه الدنيا أعمى عن الحق فلم يقبله ولم ينقد له، بل اتبع الشر والضلال فهو في الآخرة أعمى عن سلوك طريق الجنة، كما لم يسلكه في الدنيا، وأضل سبيلاً: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)} [الإسراء: ٧٢].
وضلال البشر ضربان:
الأول: ضلال في العلوم النظرية الاعتقادية كالجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ووحدانيته.
وهذه يعبر عنه بالضلال البعيد كما قال سبحانه: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)} [الحج: ١٢].
الثاني: ضلال في العلوم العملية كالجهل بالأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات كالصلاة والصيام، والبيوع والحدود ونحوها.
يا من أكثر عمره قد مضى في الجهل والغفلة، أما تخاف مصرعاً تحت الثرى، وحساباً بين الورى؟
ألا ما أخطر الجهل والتعصب إذا اجتمعا على العبد؟
نعوذ بالله من جهل بلا علم، ومن سفه بلا حلم، ومن دنيا بلا دين، ومن جزم بلا علم.
مختارات

