خطر الجهل (٤)
وأخبر سبحانه عن عقوبته لأعدائه بأن منعهم علم كتابه ومعرفته وفقهه فقال سبحانه: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)} [الإسراء: ٤٥، ٤٦].
وأثنى على عباده المؤمنين بالإعراض عنهم وتركهم فقال سبحانه: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)} [القصص: ٥٥].
ومن أعظم الجهال بالله الذين قالوا اتخذ الله ولداً، قالها اليهود في العزير، وقالها النصارى في عيسى.
وقالها المشركون في الملائكة.
وأي حاجة بالغني القوي الذي له ملك السموات والأرض أن يتخذ ولداً؟
أيعينه الولد في تدبير الملك؟ أم يخلفه على خلقه؟
فأيُّ جهل بعظمة الخالق فوق هذا؟
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)} [البقرة: ١١٦].
إن الله أرسل الأنبياء والرسل ليجمعوا الناس على الدين، فجمعوهم عليه فتحابوا، ولو جمعوهم على الدنيا لتقاتلوا عليها.
والجاهلية في أي مكان.
وفي أي زمان.
تجمع الناس وتجعل الرابطة بينهم.
أحياناً الدم والنسب.
وأحياناً الأرض والوطن.
وأحياناً القوم والعشيرة.
وأحياناً الحرفة والطبقة.
وأحياناً المصالح المشتركة.
وكل هذه تصورات جاهلية تخالف مخالفة أصيلة دين الله عزَّ وجلَّ، وتطل بوجهها الكالح الخادع، وتفسد حياة الناس، وتغير فطرتهم.
ويعيش الناس في ظلها في عذاب وعناء، وشدة وفساد، وكل ذلك مما يشترك فيه الإنسان مع البهائم، بل مع الكلاب والحمير.
لقد كان الكفار في مكة، وما زالوا في كل مكان وزمان يتخذون الأوثان والأصنام لينالوا بها النصر، بينما كانوا هم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة أن يعتدي عليها معتد، أو يصيبها بسوء، فكانوا هم جنودها وحماتها المعدين لنصرتها: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)} [يس: ٧٤، ٧٥].
فأي سخف وأي جهل انحدر إليه البشر فوق هذا؟
وأعظم ما يلهي الناس عن الله والدار الآخرة هو طلب التكاثر في الأموال والأولاد، والتمرغ في الشهوات، والتفاخر بذلك كما قال سبحانه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)} [التكاثر: ١، ٢].
والتكاثر والتفاخر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية.
فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال.
ومن الناس من يلهيه التكاثر بالأولاد.
ومنهم من يلهيه التكاثر بالعلم أو بالجاه، فيجمعه تكاثراً وتفاخراً.
ومن جمع العلم تكاثراً وتفاخراً فهو أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها، وكاثر بأسبابها.
والنعيم التام: هو في الدين الحق علماً وعملاً، فأهله هم أصحاب النعيم الكامل، والشقاء التام: هو في الباطل علماً وعملاً، وأهله هم أصحاب الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)} [الانفطار: ١٣، ١٤].
ولكن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيراً من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب.
وما ينال كثيراً من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والأموال وغيرها.
فيعتقد لجهله أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل.
وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، فإذا سمع في القرآن: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)} [المنافقون: ٨].
وقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)} [الصافات: ١٧٣].
ونحو هذه الآيات، حمل ذلك على أن حصوله في الدار الآخرة فقط، وقال: أما الدنيا فإننا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ويظهرون، والقرآن لا يرد بخلاف الحس.
ويعتمد على هذا الظن، إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين، وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، ويرى صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق.
فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال هذا في الآخرة.
وإذا قيل له كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه وأهل الحق؟.
فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله بالحكم والمصالح قال: يفعل الله في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)} [الأنبياء: ٢٣].
وإن كان ممن يعلل الأفعال قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة، وعلو الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب.
ولكل أحد مع نفسه في هذا المقام مباحث وأجوبة بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك.
والقلوب تغلي كالقدور بما فيها من حلو ومر، وطيب وخبيث، وحق وباطل.
وكثير من الناس لجهله يصدر منهم من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما لا يصدر إلا من عدو، ويظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
وهذه الأقوال والظنون الكاذبة سببها أمران:
أحدهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب لله عليه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأن نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه.
الثاني: اعتقاده أن الله سبحانه قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا، بل يعيش عمره مظلوماً مقهوراً، مع قيامه بما أمره الله به ظاهراً وباطناً.
فهو عند نفسه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وهو تحت أهل الظلم والفجور والعدوان.
فلله كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل.
ومتدين لا بصيرة له.
ومنتسب إلى العلم لا معرفة له؟.
ومعلوم أن العبد وإن آمن بالآخرة، فإنه طالب في الدنيا لما لا بدَّ له منه، من جلب نفع، ودفع ضر، بهما قوام معيشته.
فإذا اعتقد أن الدين الحق، واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة السنة، ينافي ذلك، وأنه يعادي جميع أهل الأرض، ويتعرض لما لا يقدر عليه من البلاء، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه وتجرده لله ورسوله.
فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين.
بل قد يدخل مع الظالمين.
بل مع المنافقين.
وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لا بدَّ له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفويت تلك المنفعة.
فسبحان الله كم صدَّت هذه الفتنة الكثير من الخلق عن القيام بحقيقة الدين؟
وأصل ذلك ناشئ من جهله بحقيقة الدين، وجهله بحقيقة النعيم، الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها.
فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم.
وكمال العبد أن يكون عارفاً بالنعيم الذي يطلبه، وبالعمل الذي يوصله إليه، مع إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعيم.
والعبد إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق ظاهراً وباطناً، فهذا من جهله بالدين الحق، وما لله عليه، وما هو المراد منه.
فهو جاهل بحق الله عليه، جاهل بما معه من الدين قدراً ونوعاً وصفة.
وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله تعالى في الدنيا والآخرة، بل قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين.
فهذا من جهله بوعد الله ووعيده، وما أعده الله لأهل طاعته، وما أعده لأهل معصيته.
فأما المقام الأول، فإن العبد كثيراً ما يترك واجبات لا يعلم بها، فيكون مقصراً في العلم، وكثيراً ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها، إما كسلاً وإما تهاوناً، وإما لنوع تأويل باطل أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك من الأسباب.
فواجبات القلوب أشد وجوباً من واجبات الأبدان، وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات.
فترى بعض الناس يتحرج من ترك فرض أو واجب من واجبات البدن، وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفرضها من التقوى والتوكل، والخشية والإنابة، والخوف والرجاء، ونحو ذلك.
ويتحرج من فعل أدنى المحرمات الظاهرة، وقد ارتكب من محرمات القلوب كالنفاق والرياء، والحسد والكيد، ونحو ذلك مما هو أشد تحريماً، وأعظم إثماً.
بل ما أكثر من يتعبد لله بترك ما أوجب الله عليه، فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قدرته عليه، ويزعم أنه متقرب إلى الله بذلكمجتمع على ربه.
فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى، وأبغضهم له، مع ظنه أنه من خواص أوليائه وأصفيائه.
والله عزَّ وجلَّ إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علماً وعملاً، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق.
وكذلك العزة والعلو إنما هو لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال.
مختارات

