فقه التوحيد (٥)
وقد فطر الله الناس على التوحيد، والفطرة فطرتان:
الأولى: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله، ومحبته، وإيثاره على ما سواه.
الثانية: فطرة تتعلق بالبدن، وهي فطرة عملية، وقد أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (أوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» متفق عليه (١)
فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية تزكي البدن وتطهره وتجمله.
وتوحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله هو الأصل، ولا يغلط في توحيد العبادة إلا من لم يعطه حقه، فمن عرف الله أطاعه وخافه ورجاه.
وتوحيد العبادة أشهر نتائج توحيد الربوبية.
وكذلك الصبر، والرضا، والتسليم، والتوكل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، كل ذلك من نتائج توحيد الربوبية.
فإن توحيد العبادة إنما يكون بعد معرفة الرب، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه وآلائه ونعمه، ومعرفة مخلوقاته.
والتوحيد هو أساس الأعمال كلها، وهو قلبها ولبها وروحها، فكل عمل ليس معه التوحيد فهو باطل ولو كان على السنة، فقبول الأعمال له شرطان: أن تكون خالصة لله، وأن تكون على طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠]
فالقلب الذي يوحد الله، يدين لله وحده بكل شيء، ولا يحني هامته لأحد سواه، ولا يطلب شيئاً من غيره، ولا يعتمد على أحد من خلقه.
فالله وحده هو القوي عنده، وهو القاهر فوق عباده، والعباد كلهم ضعاف مهازيل لا يملكون له نفعاً ولا ضراً.
فلا حاجة به إلى أن يحني هامته لواحد منهم، وهم مثله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
والله وحده هو الغني وما سواه فقير، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)} [فاطر: ١٥].
والقلب الذي يوحد الله، يؤمن بأنه الإله الذي يصرف الوجود كله، ومن ثم لا يختار غير ما اختار الله من الأحكام والشرائع، بل يطيع أمره وشرعه.
والقلب الذي يوحد الله يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت قدرة الله في هذا الكون من أشياء وأحياء، فيأنس بالله، ويتفكر في مخلوقاته، ويتحرج من إيذاء أحد، أو إتلاف شيء، أو التصرف في شيء إلا بإذن الله.
خالق كل شيء.
ورب كل شيء.
ومالك كل شيء.
والقلب المؤمن بحقيقة التوحيد.
هو القلب الذي عرف الله فتعلق به، ولم يلتفت إلى أحد سواه.
فهو يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدىً وبصيرة، لأن قلبه وبصره معلق باتجاه واحد، ولأنه لا يعرف إلا مصدراً واحداً للحياة والرزق، ومصدراً واحداً للنفع والضر، ومصدراً واحداً للعطاء والمنع.
فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، ويعبد رباً واحداً، يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه.
والمخلوقات كلها أولها وآخرها، وصغيرها وكبيرها، لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله، وهي كالميت لا تعمل ولا تتحرك إلا بإذن الله، ومثالها كالحجر لا ينفع ولا يضر ولا يتحرك إلا إذا جاءت قوة خارجة أقوى منه فحركته، وهكذا كافة المخلوقات لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله وإرادته.
والمخلوقات قسمان:
شكل للنفع كالطعام والماء.
وشكل للضرر كالنار والسم.
وكل المخلوقات لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله لا بذاتها، وهي مملوكة مأمورة مدبرة.
فالنَّار التي ألقي فيها إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مظهر للضرر، ولكن لما جاء إليها أمر الله لنصرة وليه، قلب حالها الذي خلقها، فصارت نافعة، وكانت برداً وسلاماً على إبراهيم.
والماء الذي يشربه قوم نوح مظهر للنفع، فجاء إليه أمر الله بالضرر فأغرق من كفر واستكبر من قوم نوح.
فالطيبات كلها أشكال للنفع، فإذا جاء إليها أمر الله بالضرر انقادت وأطاعت فضرت بإذن الله من شاء الله.
والطعام وإن جعله الله شكلاً للنفع، فهو لا ينفع ولا يضر بنفسه، فهو مخلوق ليس بيده شيء.
يأكله الصغير فيكبر، ويأكله الضعيف فيسمن، ويأكله الكبير فيضعف، ويأكله الشاب فأحياناً يزيد، وأحياناً ينقص، وأحياناً لا يزيد ولا ينقص، فالفعال هو الله وحده لا شريك له.
والطعام خلقه الله، وأنعم به على خلقه، وهو سبب يتلذذون به، ويمتثلون أوامر الله عند أكله، وهو مملوك مربوب لا ينفع ولا يضر كغيره إلا بإذن الله.
والخبائث والمؤذيات والمهلكات كلها أشكال للضرر، فإذا جاء إليها أمر الله بالنفع نفعت وانقادت وأطاعت لأمر ربها.
وحقيقة التوحيد: التعلق بالله وحده ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وعدم التعلق بغيره، أو الالتفات إلى ما سواه.
فحصول الضرر والنفع.
واختلاف الليل والنهار.
وتبدل الحر بالبرد.
وحصول الجوع والشبع.
والأمن والخوف.
والصحة والمرض.
والعزة والذلة.
والفقر والغنى.
ليست بذاتها.
بل أمر الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)} [الزمر: ٦٢].
فالموحد لا يتعلق قلبه بالأسباب النافعة كالطعام والدواء مثلاً، ولا يتعلق بالأسباب الضارة كالنار والسموم، بل يتعلق قلبه بالله وحده، الذي له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وبيده مقاليد الأمور.
و {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)} [الحديد: ٥].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٨٨٩)، ومسلم برقم (٢٥)، واللفظ له.
مختارات

