فقه التوحيد (٤)
والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله أمور:
أحدها: بل أعظمها التفكر في سنن الله وآياته الكونية، وآياته الشرعية، ثم تدبر أسماء الله وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله، فذلك يوجب بذل الجهد في التأله والتعبد للرب الكامل الصفات.
الثاني: العلم بأن الله هو المتفرد بالخلق والتدبير، ومنه يعلم أنه المستحق للعبادة، المتفرد بالألوهية.
الثالث: العلم بأن الله وحده هو المتفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة، المادية والروحية، الدنيوية والأخروية، فذلك يوجب تعلق القلب به، محبة ورغبة، وخوفاً ورهبة.
الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه، القائمين بتوحيده، من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين.
الخامس: معرفة الطواغيت التي فتنت الناس، وصرفتهم عن دين الله وكتبه ورسله، وأنها ناقصة باطلة من جميع الوجوه، لا تملك لنفسها ولا لعبَّادها نفعاً ولا ضراً.
السادس: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقاً وعلماً، وهم الأنبياء والرسل والملائكة والعلماء الربانيون قد شهدوا بذلك كما قال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)} [آل عمران: ١٨].
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
لها وزن وثقل.
ولها عظمة.
ولها قيمة.
ولها قوة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن نبي الله نوحاً - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة، قال لابنه: «إِنِّي قَاصّ ٌعَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ، آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بـ (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَْرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَْرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْر» أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد (١).
فكلمة التوحيد وزنها عظيم، فلو كانت لا إله إلا الله في كفة، وسبع أرضين بجبالها وسهولها.
وبحارها وأنهارها، ومدنها وقراها.
وإنسها وجنها.
وحيواناتها وطيورها.
وذهبها وفضتها، ومعادنها وحديدها.
وترابها ونباتها، وما في ظاهرها وما في باطنها.
والسموات وما فيها من النجوم والكواكب.
السماء الأولى بملائكتها.
وهكذا إلى السابعة.
والجنة وكل ما فيها من القصور والحور، والولدان والغلمان، والأنهار، وجبريل وميكائيل وإسرافيل.
والصور وكل ما تحت العرش في كفة.
فلو وضعت السموات والأرض وما فيهما كما سبق في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله.
فمن كانت في قلبه كلمة التوحيد (لا إلا إلا الله) كيف يكون وزنه عند الله؟ وكيف تكون منزلته عند الله؟
وكيف تكون جنته يوم القيامة؟
والدين أول ما يبنى من أصوله، ويكمل بفروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله: من التوحيد والإيمان، والأمثال والقصص، والوعد والوعيد.
ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة: من الأذان والإقامة، وصلاة الجمعة والجماعة، والجهاد والصيام، وتحريم السرقة والزنا، والخمر والميسر، وغير ذلك من واجباته ومحرماته.
فأصوله تمد فروعه وتثبتها وتقويها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها.
وإذا جرد العبد التوحيد لله، خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله.
فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه، وخوفه منه، واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفاع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.
وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه، فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم وأكمل، وإن مَزج مُزج له، وإن كان مرة ومرة، كان الله له مرة ومرة.
وكلمة التوحيد (لا إلا إلا الله) مركبة من جملتين:
(لا إله) نفي.
(إلا الله) إثبات.
فالنفي أن يخرج فكره ويقينه عما سوى الله، من الأرض إلى السماء.
ومن الذرة إلى أعظم جبل.
ومن قطرة الماء إلى البحر.
ومن البعوضة حتى الفيل.
ومن النملة حتى جبريل.
ومن أصغر مخلوق إلى أكبر مخلوق.
فكل هذه مخلوقات ليس بيدها ولا بيد غيرها من المخلوقات نفع ولا ضر، فكلها ليست بإله، وإنما هي مخلوقة مملوكة مقهورة بأمر الله.
(إلا الله): إثبات الألوهية لله وحده، فيركز فكره ويقينه بأن الله وحده هو الإله الواحد الأحد القهار، فيعبده وحده ويطيعه، فإذا اعتقد ذلك أتبعه بشهادة أن محمداً رسول الله، فيتبعه في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، لأن الله بعثه إلينا رحمة بنا وبالعالمين جميعاً، لنقتدي به كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
والخلق والإيجاد، والتصريف والتدبير من صفة الربوبية.
والدين والشرع، والأمر والنهي، من صفة الألوهية.
والجزاء بالثواب والعقاب، والجنة والنار، من صفة الملك.
فأمر الله خلقه بإلهيته.
وأعانهم ووفقهم، وهداهم وأضلهم بربوبيته.
وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله.
فهو محمود في إلهيته.
ومحمود في ربوبيته.
ومحمود في رحمته.
.
ومحمود في ملكه كما قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)} [الفاتحة: ٢ - ٤].
والله تبارك وتعالى هو الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى، ويكرم ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويهدي ويضل.
فكيف يتوجه الناس إلى غيره وهذه صفاته.
وهذه أفعاله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)} [الحج: ٤٦].
(١) صحيح: أخرجه أحمد برقم (٦٥٨٣)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (٥٥٨).
انظر السلسلة الصحيحة للألباني برقم (١٣٤).
مختارات

