فقه التوحيد (٦)
والله عزَّ وجلَّ ابتلى كل إنسان بثلاثة أشياء:
ابتلاه بالمصائب، لينظر أين يتوجه القلب في جميع الأحوال، إلى الله أم إلى الأسباب؟.
فقلب المؤمن يتوجه عند الجوع إلى الله، وعند المرض إلى الله، وقلب الكافر يتوجه عند الجوع إلى الطعام، وعند المرض إلى الدواء.
وهكذا.
وابتلاه الله بالشهوات والأوامر، لينظر من يقدم أوامر الله على الشهوات، فالمؤمن يقدم أمر الله على المباحات، ومحبوبات النفس، والكافر يقدم محبوباته وشهواته على كل شيء.
وابتلاه بالحلال والحرام، ليعلم من يخافه بالغيب كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)} [المائدة: ٩٤].
فالمؤمن إيمانه يدفعه للانتفاع بالحلال، واجتناب الحرام، في جميع الأحوال، والكافر يقترف المحرمات والكبائر، لأنه ليس لديه إيمان يحجزه عن المحرمات والكبائر.
والتوحيد يقوم على ثلاثة أصول:
الأول: الاعتقاد واليقين بوحدانية الله، ومكانه القلب.
الثاني: النطق والإقرار، ومكانه اللسان.
الثالث: العمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، ومكانه الجوارح.
فإن أخل العبد بشيء من هذه لم يكن المرء مسلماً.
فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند مستكبر كفرعون وإبليس.
وإن عمل بالتوحيد ظاهراً وهو لا يعتقده باطناً.
فهو منافق أشرُّ من الكافر.
والتوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان:
الأول: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو سبحانه الكامل وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، الذي بيده كل شيء، خالق كل شيء المالك لكل شيء، المحيط بكل شيء، الذي ليس كمثله شيء، له الأسماء الحسنى والصفات العلا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)} [الشورى: ١١].
الثاني: توحيد في القصد والطلب، وهو توحيد العبادة، وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادة كالدعاء والصلاة، والخوف والرجاء، فيتيقن العبد ويقر أن الله وحده ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده دون سواه.
فلا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة كالدعاء والصلاة، والخوف والرجاء، والتوكل والاستعانة، والذبح والنذر ونحوها إلا لله وحده دون سواه.
ومن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)} [المؤمنون: ١١٧].
والله تبارك وتعالى وحده هو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولكمالهوجلاله وجماله وإحسانه، استحق أن يعبد وحده لا شريك له.
فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلا التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، وأن يعظم غاية التعظيم.
وأن يخضع له غاية الخضوع.
فهو وحده المعبود الذي تألهه القلوب وتحبه وتخضع له، وتذل له، وترجوه وتخافه، وتنيب إليه عند الشدائد، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه، وتسكن إليه، وتطمئن بذكره وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)} [الرعد: ٢٨].
وقد اجتهد الشيطان لإفساد هذا اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بين عموم البشر.
فزيَّن لآدم وزوجه الأكل من الشجرة، ليحصل لهما الملك والخلد بزعمه كما قال الله عن الشيطان: {قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)} [طه: ١٢٠].
فأكل آدم من الشجرة، وعصى ربه، ثم تاب إلى ربه، فتاب الله عليه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)} [البقرة: ٣٧].
وزيَّن الشيطان كذلك لقوم نوح أن يصوروا الصالحين من الأموات ليتذكروهم ويتعظوا بعبادتهم، وينشطوا للعبادة إذا رأوهم.
ثم زيَّن لهم أن البناء على قبورهم، والعكوف عندها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب.
ثم نقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بالمقبور، والإقسام به على الله في قضاء الحوائج، لمكانته عند الله.
فلما تقرر ذلك عندهم.
نقلهم إلى دعاء الميت وعبادته، وسؤاله الشفاعة، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه القناديل والستور والزهور، ويطاف به، ويستلم، ويحج إليه، ويذبح عنده.
فلما تقرر ذلك عند هؤلاء وألفوه، والشياطين تعينهم لما أشركوا بالله غيره، نقلهم الشيطان منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً يقصده الناس من كل مكان.
فلما تقرر ذلك عندهم، زيَّن لهم الشيطان ونقلهم منه إلى اعتبار أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وحط من قدرهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وسرى ذلك في نفوس الجهال والطغام.
وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوْا أهل التوحيد؛ ورموهم بالعظائم، ونفَّروا الناس منهم وعنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله، وأنصار دينه، ويأبى الله ذلك: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)} [الأنفال: ٣٤].
فهذه خطوات الشيطان في إفساد يقين العباد على ربهم، وإغرائهم بعبادة الأصنام من دون الله، وقد حذرنا الله منه بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)} [النور: ٢١].
والتوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم هو إفراد الله بالعبادة كلها، ليس فيها حق لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن غيرهم، فمن عبد الله ليلاً ونهاراً، ثم دعا نبياً أو ولياً عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)} [النحل: ٥١].
ومن ذبح لله ألف أضحية، ثم ذبح لنبي أو غيره، فقد اتخذ إلهين اثنين، وهذا هو الشرك الذي حذرنا الله منه، وأمرنا بالتوحيد في جميع الأحوال كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)} [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
فمن أخلص العبادات كلها لله، ولم يشرك فيها غيره، فهو المؤمن الموحد الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو المشرك، ومن عبد غيره من دونه فهو الكافر الجاحد.
والناس كلهم مأمورون بالتوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)} [التوبة: ٣١].
والتوحيد يرد الأشياء كلها إلى الله وحده خلقاً وإيجاداً، وبقاء واستمراراً، ونفعاً وضراً، ونجاة وهلاكاً، وحياة وموتاً، وغنى وفقراً.
والكفر والشرك يرد الأشياء كلها إلى غير الله.
فالتوحيد أعدل العدل.
والشرك أظلم الظلم.
مختارات

