فقه الشهوات واللذات (٣)
واللذات ثلاثة أقسام:
لذة جثمانية.
ولذة خيالية.
ولذة عقلية.
فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب، والجماع والنوم، وهذه اللذة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان البهيم، فليس كمال الإنسان بهذه اللذة، لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنها لو كانت كمالاً لكان أفضل الناس وأشرفهم وأكملهم أكثرهم أكلاً وشرباً وجماعاً ونوماً، ولو كانت كمالاً لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه.
فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كمالاً، وإنما تكون كمالاً إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى.
وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرياسة، والتعاظم على الخلق، والفخر والاستطالة عليهم، وهذه وإن كان طلابها أشرف نفوساً من طلاب اللذة الأولى، فإن آلامها وما توجبه من المضار والمفاسد أعظم من التذاذ النفس بها.
فإن صاحبها منتصب ومستعد لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه، واحتقار من دونه.
فهذه في الحقيقة ليست بلذة، وإن فرحت بها النفوس وسرت بحصولها.
وربما قيل أنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام، كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع، وألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرياسة والجاه، لكن لا ريب أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد.
وأما اللذة العقلية الروحانية، فكلذة العلم والمعرفة، والاتصاف بصفات الكمال، من الكرم والجود والعفة، والشجاعة والصبر، والمروءة والحلم ونحوها، فالالتذاذ بذلك من أعظم اللذات، وهو لذة للأنفس العلوية الشريفة.
فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة المعرفة بالله ومحبته وعبادته والرضا به عوضاً عن كل شيء، صاحب هذه اللذة في جنة عالية، نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة الجنة إلى لذة الدنيا.
فإنه ليس للقلب والروح، ألذ ولا أطيب، ولا أحل ولا أنعم، من لذة محبة الله، والإقبال عليه، وعبادته ورؤيته والأنس به.
ومثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدله أمثال الجبال من لذات الدنيا.
وأكمل الناس لذة من جمع له بين:
لذة القلب.
ولذة الروح.
ولذة البدن.
فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار الآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه.
فهذا ممن قال الله فيه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)} [الأعراف: ٣٢].
وأنجس الناس حظاً من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيقال له يوم القيامة، يوم استيفاء اللذات: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)} [الأحقاف: ٢٠].
فهؤلاء تمتعوا بالطيبات.
وأولئك تمتعوا بالطيبات، وافترقوا في وجه التمتع.
فأولئك تمتعوا بالطيبات على الوجه الذي أذن لهم فيه، فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة.
وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، سواء أذن لهم فيه أم لا؟.
فانقطعت عنهم لذة الدنيا، وفاتتهم لذة الآخرة، فما أخسر هؤلاء، فلا لذة الدنيا دامت لهم، ولا لذة الآخرة حصلت لهم.
فمن أحب اللذة العظمى الدائمة فليجعل لذة الدنيا موصلة له إلى لذة الآخرة، فكلما التذ بلذات الدنيا، ذكرته بالله ولذات الجنة الأبدية.
فيستعين بها على فراغ قلبه لله وعبادته، ويتناولها بحكم الاستعانة بها على طاعة الله، لا بمجرد الشهوة والهوى.
وإن كان ممن زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها، فليجعل ما نقص منها زيادة في لذة الآخرة، ويجم نفسه هاهنا بالترك، ليستوفيها كاملة يوم القيامة.
وطيبات الدنيا ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة.
وبئس القاطع لمن كانت هي همه ومقصوده وحولها يدندن.
وفواتها في الدنيا نعم العون لطالب الله والدار الآخرة.
وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة.
فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعاً وإلا خسرهما جميعاً.
ومعرفة الرب تعالى ومحبته، والإيمان به، وتوحيده، والعمل بطاعته، والأنس به.
أكمل نعيم للعبد في الدنيا والآخرة.
ولذة هذا النعيم بالنسبة للذات الدنيا بنسبة الذرة للجبل أو القطرة للبحر، وهو كالجنة بالنسبة لما سواه من النعيم.
وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الجنة بقوله: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قَالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ حِلَقُ الذِّكْر» أخرجه أحمد والترمذي (١).
ولذات الدنيا متاع وسبيل إلى لذات الآخرة، ولذلك ما خلقت الدنيا لذاتها، بل للتزود منها، والاستعانة بما فيها على طاعة الله وعبادته، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة، وأوصلت إليها، لم يذم تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة.
وإذا علم العبد هذا، فليعلم أن أعظم نعيم الآخرة ولذاتها النظر إلى وجه الله جل جلاله، وسماع كلامه، والقرب منه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَمَا أُعْطُوا شيئاً أحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عزَّ وجلَّ» أخرجه مسلم (٢).
وأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة، هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهي لذة معرفته سبحانه، ولذة محبته، فإن ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي.
وأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته، وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته، فمحبته ومعرفته قرة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها.
فليست الحياة الطيبة إلا بالله ولله، والروح والقلب والبدن إنما خلقت لعبادة الله، والتلذذ بطاعته ومناجاته والقرب منه.
والطيبات نوعان:
طيبات للأبدان.
وطيبات للقلوب.
فطيبات القلوب في هذه الحياة هي ما تلتذ به من الإيمان بالله وتوحيده ومعرفته، والوقوف بين يديه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة آلائه ونعمه.
وذلك لون يجد فيه القلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع، إنه متاع اللقاء مع الله ومناجاته في الصلاة بتكبيره وتعظيمه، وحمده والثناء عليه، وسؤاله واستغفاره في جو من الطهر والخشوع، والقرب من الرب كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأكْثِرُوا الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم (٣).
وطيبات الأبدان هي ما تلتذ به من الطعام والشراب والطيبات من النساء، وكلاهما أمر مطلوب في حياة الإنسان، وبهما تكمل حياته، ويسعد في الدنيا والآخرة.
والمسلم يرتقي من متاع الطعام والشراب والزواج، إلى متاع الطهارة والصلاة، ويتبع هذه بهذه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)} [البقرة: ١٧٢].
والخير كله.
وكمال اللذات والشهوات.
وكمال النعيم والسرور.
كله بحذافيره في الجنة كما قال سبحانه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)} [السجدة: ١٧].
والشر كله.
وكمال العذاب والعناء.
وكمال الحسرة والندامة.
كل ذلك بحذافيره في النار يوم القيامة كما قال سبحانه عن أهل النار: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)} [الرعد: ٣٤].
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
(١) حسن: أخرجه أحمد برقم (١٢٥٥١)، انظر السلسلة الصحيحة رقم (٢٥٦٢).
وأخرجه الترمذي برقم (٣٥١٠)، صحيح سنن الترمذي رقم (٢٧٨٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٨١).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٤٨٢).
مختارات

