فقه المشيئة والإرادة (٢)
ومشيئة الله سبحانه مطلقة لا يند عنها شيء، وهو فعّال لما يشاء.
فالخلق خلقه، والأمر أمره، وهو الحكيم العليم الذي يضع الشيء في موضعه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)} [يونس: ٩٩].
فلو شاء سبحانه لخلق هذا الإنسان خلقة أخرى، فجعله لا يعرف إلا طريقاً واحداً، هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً.
أو لجعل له استعداداً واحداً يقود جميع أفراده إلى الإيمان.
ولو شاء كذلك لأجبر الناس وقهرهم على الإيمان.
وما الذي يمنعه من فعل ما يشاء؟.
ولكن حكمة الخالق عزَّ وجلَّ اقتضت خلق هذا الإنسان باستعداد للخير والشر.
وللهدى والضلال.
وللطاعة والمعصية.
ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك الطريق.
وقدرت أنه إذا أحسن استخدام ما وهبه الله من حواس ومشاعر ومدارك، ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس، وما يجيء به الرسل من آيات وبينات، فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص.
وعلى العكس حين يعطل ما وهبه الله من حواس، ويغلق مداركه ويسترها عن دلائل الهدى والإيمان، يقسو قلبه، ويستغلق عقله، وينتهي بذلك إلى التكذيب والجحود، وإلى ما قدر الله للمكذبين الجاحدين من جزاء.
فالإيمان إذاً متروك للاختيار لا يكره عليه أحد، لأنه لا مجال للإكراه على مشاعر القلب: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)} [يونس: ١٠٠].
فالإيمان له سنة ماضية جارية، فلا تصل النفس إلى الإيمان، وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه.
وإنما تصل إلى الإيمان إذا سارت وفق أمر الله وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة الجارية العامة.
وعندئذ يهديها الله، ويقع لها الإيمان بإذنه، فلا شيء يتم وقوعه إلا بإذن الله.
والذين عطلوا عقولهم عن التدبر، فهؤلاء يجعل الرجس عليهم بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر، وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفر، والآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون، وهي معروضة عليهم، ولكنهم لا يستفيدون منها، ولا يتعظون بها لعدم إيمانهم: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)} [يونس: ١٠١].
إن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان، وجعل له مشيئة يختار بها ما يشاء، وميزه بالقدرة على الاختيار بين البدائل، وهو ما لم يعطه لغيره من الخلق.
وفوق مشيئة الإنسان مشيئة الله التي يخضع لها كل شيء في الكون كما قال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} [التكوير: ٢٧، ٢٩].
وبعض الناس يرى في هذا تعارضاً، وفي الواقع أنهما متفقان تماماً.
فالإنسان حر في أن يختار هذا أو ذاك، ولكنه لا يستطيع أن يحقق ما يريده بالضبط إلا إذا شاء الله.
فقد يريد الإنسان نفع أحد أو أذى أحد، ولكنه لا يصل إلى ما يريد دائماً، فإذا التقى ما يريده مع المشيئة تم، وإذا لم يلتق مع مشيئة الله فإنه لا يتم.
وقد يسعى رجلان لهدف واحد، أحدهما يحققه، والآخر لا يحققه، سواء اختار طريق الخير أو الشر، الاختيار لهما، ولكن التوفيق أو الإتمام يأتي بمشيئة الله.
ولذلك يصف الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة بأنه: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)} [الطارق: ٩].
فإذا وقف شخصان مثلاً أمام رجل فقير محتاج:
أحدهما: يضع في يده المال سراً.
والثاني: يعطيه المال أمام الناس رياءً.
فتكتب للأول حسنة، ولا تكتب للثاني.
فمشيئة الله عزَّ وجلَّ أن يصل للرجل درهمان، ولو عن طريق غير طريق إرضاء الله بالإحسان إلى الفقير.
فيأتيه درهم بالإحسان.
ويأتيه درهم آخر بالتباهي والتفاخر.
ورغم أن هدفهما مختلف، إلا أن مشيئة الله تمت، ووصل إلى هذا الرجل رزقه الذي قدره الله له.
فالإنسان يختار بين البدائل، ويسعى في الخير أو الشر، ويأتي الشيطان ليغري، وطاعة الله لتذكر الإنسان، ثم يتم العمل إذا التقت المشيئة به، أما إذا لم تلتق، فقد يأتي شيء يوقف هذا كله.
والله عزَّ وجلَّ مالك كل شيء، وبيده كل شيء، وهو الذي يملك القدرة على الفعل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
أما البشر وغيرهم من المخلوقات فهم عاجزون تماماً عن الفعل أو الترك إلا بمشيئة الله.
فالذي يريد من البشر أن يفعل شيئاً لا بد أن يملك أولاً القدرة على الفعل.
والوقت الذي سيتم فيه الفعل.
والمكان الذي سيتم فيه الفعل.
فإذا قلت: سأذهب إلى فلان غداً، فيجب أن أملك القدرة في أن أكون موجوداً غداً على قيد الحياة، وأنا لا أملك هذه القدرة بل الله وحده هو الذي يملكها.
وقد أكون موجوداً لكنني لا أستطيع أن أذهب لمقابلة هذا الشخص، قد أمرض فجأة، وقد يأتيني شيء عاجل يشغلني عنه، أو قد يهبط علي ضيف غير متوقع.
وقد أكون على قيد الحياة، وبصحة جيدة، وليس لدي ما يمنعني من أن أتم هذه المقابلة، لكن من سأذهب إليه، قد أذهب إليه فلا أجده في منزله لأي سبب من مرض أو شغل مفاجئ يمنعه من المقابلة.
فالإنسان لا يملك عنصراً واحداً من عناصر القدرة على العمل، ليقول أنه سيفعل كذا في مكان كذا في وقت كذا.
ولكن الذي يملك القدرة هو الله سبحانه، فهو القادر الذي يقول للشيء كن فيكون، ولا يعجزه شيء، ولا يمنعه شيء.
مختارات

