فقه المشيئة والإرادة (١)
قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)} [الإنسان: ٢٩، ٣٠].
وقال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)} [الأنعام: ١٠٧].
وقال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)} [يس: ٨٢].
إن جميع الخلائق، وجميع المؤمنين والكفار، وجميع المطيعين والعصاة، كلهم في قبضة الله سواء، وكلهم تحت قهره وسلطانه سواء.
وهم جميعاً لا يملكون أن يحدثوا شيئاً إلا بقدر الله، وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد.
ولكن المؤمنين في القدر المتروك لهم للاختيار، بين الخضوع القهري المفروض عليهم بسلطان الله في ذوات أنفسهم، وفي حركة خلاياهم، وفي تكوينهم العضوي، وفي لونهم وطولهم.
وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار.
وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها، لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموساً واحداً، وسلطاناً واحداً، وحاكماً واحداً.
وأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا عنه.
بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله الممثل في منهجه وشرعه، أشقياء باختيارهم ما يضرهم، وما يغضب الله، ولهم أمد ثم يحاسبون على ما اختاروا يوم القيامة.
وهم بعد هذا كله في قبضة الله، لا يعجزونه في شيء، ولا يحدثون شيئاً إلا بقدره ومشيئته: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} [التكوير: ٢٩].
والله عزَّ وجلَّ أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومكن من أسباب الهداية بالسمع والبصر والفؤاد، وجعل الهداية بيده وحده، فالأمر كله له: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)} [الأنعام: ٣٩].
ومشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه، فما شاء كان ولا بدَّ، وما لم يشأ لم يكن البتة.
والكون كله متعلق بمشيئة الله:
الملائكة والشياطين.
والمؤمنون والكفار.
والطاعات والمعاصي.
والمتعلق بمحبته طاعتهم وإيمانهم.
فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لايستقر فب النار شيء لله أبداً، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته.
ومشيئة الله عزَّ وجلَّ لها حالتان:
تارة تتعلق بفعله.
وتارة تتعلق بفعل العبد.
فتعلقها بفعله: أن يشء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل.
فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته، ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده، دون أن يشاء فعله، فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها.
فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله، لأنه لم يشأ سبحانه إعانته عليه وتوفيقه له لعلمه بحاله كما قال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
ومشيئة الله عز وجل محيطة بالخلائق كلها، وبالعباد جميعاً إنسهم وجنهم، وجريان الأحداث في هذه العوالم كلها بمشيئة الله وقدره.
واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن، وإمهاله لهم، ليقترفوا ما هم مقترفون: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)} [الأنعام: ١١٢].
ولو شاء الله لقهرهم على الهدى، ولكفهم عن الضلال قهراً، أو لهداهم إلى الحق، وشرح صدورهم له.
أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم، فهم لا يعادون الرسل، ولا يقترفون ما يقترفون خروجاً عن سلطان الله ومشيئته، فهم أعجز من أن يخرجوا عن ذلك.
إنما هي مشيئة الله اقتضت أن يترك لهم الخيار، والقدرة على الهدى والضلال، وهم في قبضة الله على كل حال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)} [الأنعام: ١١١].
وإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل وأتباعهم سنة يجري بها قدر الله، ليميل أهل الباطل وعشاق الدنيا إلى الباطل، ويتميز الصادق من الكاذب.
وأن هؤلاء الشياطين على كل ما يرتكبونه هم في قبضة الله.
فكيف يتوجه المرء إلى غير الله؟.
وكيف يبتغي حكماً غيره؟: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)} [الأنعام: ١١٤].
وقد أكمل الله الدين، ويسره للأمة، فلم يعد هناك قول لقائل، ولا حكم لبشر: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)} [الأنعام: ١١٥].
فهداية المهتدين، وضلال الضالين، كلاهما إنما يتم بقدر من الله، وهؤلاء كهؤلاء كلهم في قبضة الله وسلطانه، وتحت مشيئته وقدره: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)} [الأنعام: ١٢٥].
ومشيئة الله سبحانه مطلقة لا يند عنها شيء، وهو فعّال لما يشاء.
مختارات

