فقه الإيمان بالغيب (١)
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)} [هود: ١٢٣].
وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)} [الملك: ١٢].
الله تبارك وتعالى وصف عباده المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب، وجعلها أول صفة لهم كما قال سبحانه: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)} [البقرة: ٢، ٣].
والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه الحواس إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير الذي تدركه الحواس.
ويدرك ما وراء الكون من قدرة وقوة وتدبير وتصريف.
ويدرك أن هذا الكون ظاهره وخفيه لا يساوي ذرة في ملك خالقه، الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول.
فالغيب لا تدركه العقول ولا تحيط به، لأن العقل أداة لم تخلق لمعرفة ذلك، فالمحدود لا يدرك المطلق.
وعدم إدراك المجهول لا ينفي وجوده في الغيب المكنون.
فعلى الإنسان أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، ويعلم الغيب والشهادة.
والله وحده عالم الغيب والشهادة، أم الإنسان فمجال نشاطه عالم الشهادة، لكن الله تعالى أطلعه على قدر من عالم الغيب، يوسع دائرة وعيه وعلمه، ويميزه به عن غيره، ويحتاجه في مصالح دينه ودنياه وأخراه.
فأرسل الله الرسل يأمرون الناس بعبادة الله وحده لا شرك له، وترك عبادة ما سواه، ونقل القدر المناسب من عالم الغيب وفق ما حدده الله، وإخبار العباد به.
وليس للإنسان أن يطلب علم الغيب خارج دائرة الوحي الإلهي وإلا ضل وأضل.
فهو سبحانه وحده: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)} [الجن: ٢٦، ٢٧].
وإذا كنا في العلم البشري لا نأخذ إلا عن مصادر موثوقة يعول عليها، ففي علم الغيب لا ينبغي أن نأخذ إلا ممن يملكون حق الحديث عن الله، وهم الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله، وأطلعهم على شيء من الغيب، وجعل مصدر علمهم الوحي، وهم أعلم الخلق بالله.
أما غيرهم فمصدر علمهم العقل، والعقل البشري وحده قاصر عن إدراك المعرفة المتصلة برب العالمين.
وتكليف العقل بالبحث في عالم الغيب يشبه سؤال الكبد عن المشاهد التي تختص برؤيتها العين.
ومن الظلم لعضو خلقه الله لعمل محدد أن نكلفه فوق طاقته، ونحاول استخدامه في غير محله، فنظلم أنفسنا، ونظلم غيرنا.
ومن الحكمة والأدب وضع الشيء في موضعه، واستخدام الشيء فيما خلق له، وعدم تجاوز المعلوم إلى المجهول المحجوب إلا بعلم ويقين.
والإيمان بالله هو إيمان بالغيب.
فذات الله سبحانه غيب بالنسبة للبشر في هذه الحياة.
فإذا آمنوا به سبحانه فإنما يؤمنون بغيب، يجدون آثار فعله.
ولا يدركون ذاته.
ولا كيفية صفاته وأفعاله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)} [الأنعام: ١٠٢، ١٠٣].
والإيمان بالآخرة كذلك هو إيمان بالغيب، فكل ما في الآخرة موجود كالصراط والميزان، والجنة والنار، لكن لا يمكن للأبصار أن تراه في الدنيا.
فالساعة بالنسبة للبشر غيب، وما يكون فيها من بعث وحساب، وثواب وعقاب، والجنة والنار، والصراط والميزان، كله غيب يؤمن به المؤمن تصديقاً لخبر الله ورسوله.
والإيمان بالملائكة كذلك هو إيمان بالغيب، فهذا الخلق العظيم من خلق الله لا يعرف البشر عنه شيئاً إلا ما أخبرهم الله به، فنؤمن بهم تصديقاً لخبر الله ورسوله عنهم.
والإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله من الإيمان بالغيب، يؤمن بها المؤمن تصديقاً لخبر الله ورسوله.
والإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده بدينه وشرعه هو من الإيمان بالغيب، يؤمن به المؤمن تصديقاً لخبر الله سبحانه.
والإيمان بالقدر هو من الغيب الذي لا يتم الإيمان إلا بالتصديق به، وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع.
والغيب عالم كبير، يحيط بالإنسان من كل جانب.
غيب في الماضي.
وغيب في الحاضر.
وغيب في المستقبل.
وغيب في نفس الإنسان.
وغيب في عالم الجماد.
وغيب في عالم النبات.
وغيب في عالم الحيوان.
وغيب في العالم العلوي.
وغيب في العالم السفلي.
وغيب في الدنيا.
وغيب في الآخرة.
وكل ذلك لا يعلمه إلا الله: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)} [النمل: ٦٥].
وعالم الغيب أوسع من العالم المشهود، والإنسان يسبح في بحر من المعلوم والمجهول، وبحر من الغيب والشهادة، والإنسان مخلوق ضعيف يجهل ما يجري في كيان نفسه فضلاً عما يجري في الكون كله.
والله وحده عالم الغيب والشهادة، يعلم كل شيء، ويرى كل شيء: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)} [السجدة:٦، ٧].
فكل ذرة في هذا الكون، وكل خلية في أعماق الأرض، وقعر البحار، وجو السماء، هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)} [سبأ: ٣].
مختارات

