فقه الإيمان بالغيب (٢)
وسر الحياة في النبات والحيوان والإنسان ونشأتها غيب من غيب الله كنشأة الكون وحركته لا يعلمه إلا الله وحده كما قال سبحانه: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)} [الكهف: ٥١].
وخلق الإنسان من ماء الرجل، وكيفية خلقه، وكونه ذكراً أو أنثى أو توءماً من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا علم للبشر به: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)} [الرعد: ٨، ٩].
إن الناس في الدنيا لا يرون الله، ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون به، وقلوبهم تعرفه بالغيب وتخافه.
واستقرار حقيقة الإيمان بالله بالغيب ومخافته، والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة، والشعور بهذا الغيب شعورٌا يوازي بل يرجح الشهادة، حتى ليؤدي المؤمن شهادة أن (لا إله إلا الله) وهو لم ير الله.
تلك نقلة كبرى لهذا الإنسان من عالم المحسوس إلى عالم الغيب.
من عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب إلى عالم أفضل وأعلى وأجل، وهو عالم الإنسان الذي يؤمن بالغيب.
وهذا الكون العظيم مركب من عالمين:
عالم الغيب.
وعالم الشهادة.
وفي هذا الكون سنن ثابتة، وقد مكن الله الإنسان أن يعرف منها القدر اللازم له حسب طاقته وحسب حاجته للقيام بالخلافة في هذه الأرض.
وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية، وتسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض، والانتفاع بأرزاقها وأقواتها.
وإلى جانب هذه السنن الثابتة مشيئة الله المطلقة التي لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها.
وهناك قدر الله الذي لا يخرج عنه أحد، الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها، فهي ليست آلية، وإنما هي مأمورة مدبرة.
والقدر هو المسيطر على كل حركة فيها، وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها.
وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها غيب لا يعلمه أحد علم يقين، وإنما أقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون.
وملايين العمليات تتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة، وكلها غيب بالنسبة له، وهي تجري في كيانه.
ومثلها مليارات الملايين من العمليات التي تتم في هذا الكون الهائل من حوله وهو لا يعلمها، وفي كل لحظة تتم هذه العمليات بإذن الله، وبأمر الله، وبعلم الله، في زمن معلوم، ومكان معلوم، وقدر معلوم، وذلك كله مما اختص الله بعلمه وحده.
فمن هذه قدرته.
وهذا علمه.
وهذا خلقه.
أيليق بالخلق أن يشركوا به؟.
أتقبل عقولهم أن يعبدوا معه غيره؟.
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)} [المؤمنون: ٩١، ٩٢].
ومفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)} [الأنعام: ٥٩].
فسبحان من اختص بعلم الغيب وحده، وطوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وغيرهم من العالمين: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)} [السجدة: ٦].
والله تبارك وتعالى أحاط علمه بالغيب والشهادة.
والظواهر والبواطن.
والخفايا والسرائر.
والأوائل والأواخر.
وقد يطلع الله من شاء من رسله، على بعض الأمور الغيبية، لكن هناك من أمور الغيب ما طوى علمه عن جميع المخلوقات، فلا يعلمها نبي مرسل ولا ملَك مقرب فضلاً عن غيرهما، وهي الخمسة المذكورة في قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)} [لقمان: ٣٤].
ومن حكمته التامة إخفاء علم هذه الخمسة عن العباد، لأن في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يخفى على مَن تدبر وتأمل.
وإذا كان الله عزَّ وجلَّ هو المتفرد بعلم الغيب والشهادة، وبالظاهر والباطن، وبالسر والعلن، فهو الذي لا ينبغي العبادة إلا له، ولا يجوز لأحد أن يشرك معه غيره: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)} [الأعراف: ١٩١].
فيا ويل هذا الإنسان.
وما أجهله بربه.
وما أجهله بشرعه.
وما أجهله بنفسه.
وما أجسره على مجاوزة الحدود.
وما أجرأه على غشيان المحرمات.
ماذا علم الإنسان؟.
وماذا جهل؟.
وماذا بيده؟.
وماذا يملك؟.
وماذا قدم لنفسه وماذا أخر؟.
والساعة غيب من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولكن المشركين يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن موعدها، والرسول بشر لا يعلم الغيب، وهو مأمور أن يكل الغيب إلى من خلقه، وهو بشر لا يعلم إلا ما علمه ربه.
الله سبحانه الذي يعلم بها وحده، ولا يكشف عنها إلا في حينها، ولا يكشف غيره عنها: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)} [الأعراف: ١٨٧].
فما أعجب هؤلاء القوم الذين لا يعرفون حقيقة الرسالة، ولا يدركون أدب الرسول في جانب ربه العظيم، الذي لا يسأل ربه عما هو مختص بعلمه، وهؤلاء يسألونه كأنه دائم السؤال عنها، مكلف أن يكشف عن موعدها.
إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الأولين والآخرين، وأعرف الخلق بربه وأفضلهم عنده مكلف أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله كله بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لأنه لا يطلع على الغيب، ولا يعلم الغايات قبل المذاهب، فما أحسن أدبه، وما أعظم خلقه.
مختارات

