كتاب «أدب الدين والدنيا» للإمام الماوردي
A
فأمَّا ما يجب أن يكون عليه العلماء من الأخلاق التي هي بهم أليقُ، ولهم ألزمُ.. فالتواضع، ومجانبة العُجْب؛ لأنَّ التواضعَ عَطوفٌ، والعُجْبَ منفِّرٌ، وهو بكلِّ أحدٍ قبيحٌ، وبالعلماء أقبح؛ لأنَّ الناس بهم يقتدون.
وكثيرًا ما يتداخلهم الإعجاب؛ لتوحُّدهم بفضيلة العلم، ولو أنهم نظروا حقَّ النظر، وعملوا بموجَب العلم.. لكان التواضعُ بهم أَولى، ومُجانبةُ العُجْب بهم أَحرى؛ لأنَّ العُجْبَ نقصٌ ينافي الفضلَ، لا سيَّما مع قول النبي ﷺ: «إنَّ العُجْبَ لَيأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النارُ الحطَبَ»، فلا يفي ما أدركوا من فضيلة العلم بما لحقهم من نقص العُجْب.
عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: «قليلُ الفقهِ خيرٌ من كثير العبادةِ، وكفى بالمرء علمًا إذا عبِدَ اللهَ تعالى، وكفى بالمرء جهلًا إذا أُعجِب برأيه».
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «تعلَّموا العلمَ، وتعلَّموا للعلم السكينةَ والحلمَ، وتواضعوا لمَن تتعلَّمون منه، ولْيتواضَعْ لكم مَن تعلِّمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقومَ علمُكم بجهلكم».
قال بعض السلف: «مَن تكبَّر بعلمه وترفَّعَ.. وضعه الله به، ومَن تواضع بعلمه.. رفعه الله تعالى».
وعلة إعجابهم -أي العلماء-: انصرافُ نظرهم إلى كثرة مَنْ دونهم من الجهَّال، وانحرافُ نظرهم عمَّن فوقهم من العلماء؛ فإنَّه ليس مُتناهٍ في العلم إلا وسيجد مَن هو أعلمُ منه بشيء؛ إذ العلم أكثرُ من أن يحيط به بشرٌ، قال الله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ يعني: في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال أهل التأويل: (يعني: فوق كلِّ عالمٍ مَن هو أعلمُ منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى).
فينبغي لمَن علم: أن ينظر إلى نفسه بنقص ما قصَّر فيه؛ ليسلم من عُجْب ما أدرك منه، فقد قيل في منثور الحكم: (إذا علمتَ فلا تفكِّر في كثرةِ مَنْ دونك من الجهَّال؛ ولكن انظر مَن فوقك من العلماء).
أُنشدَ لابن العميد:
مَن شاء عيشًا حميدًا يستفيدُ به في دينهِ ثمَّ في دنياه إقبالا
فلْينظــرَنَّ إلى مَن فــوقَـه أدبًـا ولْينظرَنَّ إلى مَن دونَه مالا
مَن شاء عيشًا حميدًا يستفيدُ به في دينهِ ثمَّ في دنياه إقبالا
فلْينظــرَنَّ إلى مَن فــوقَـه أدبًـا ولْينظرَنَّ إلى مَن دونَه مالا
وقلَّما تجد بالعلم معجَبًا، وبما أدركه منه مفتخرًا إلا مَن كان فيه مُقِلًّا ومقصِّرًا؛ لأنَّه يجهل قدره، ويحسب أنَّه قد نال بالدخول فيه أكثَره، فأمّا مَن كان فيه متوجَّهًا، ومنه مستكثرًا.. فهو يعلم من بُعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته ما يصدُّه عن العُجب به.
قال الشعبيُّ: «العلمُ ثلاثة أشبار: فمَن نال منه شبرًا.. شمخ بأنفه، وظنَّ أنَّه ناله، ومَن نال الشبرَ الثانيَ.. صغرت إليه نفسه، وعلم أنّه ما ناله، وأما الشبرُ الثالث.. فهيهات، لا يناله أحد أبدًا».
وحقٌّ على مَن ترك العُجب بما يُحسن أنْ يدع التكلُّفَ لما لا يحسن، فقديمًا نُهي الناس عنهما، واستعاذوا باللهِ منهما.
قال الجاحظ في كتابه «البيان»:
«اللهمَّ؛ إنّا نعوذ بك من فتنة القول؛ كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلُّف لما لا نحسن؛ كما نعوذ بك من العجب بما نُحسن، ونعوذ بك من شرِّ السَّلاطة والهذَر؛ كما نعوذ بك من شرِّ العيِّ والحَصَر».
«اللهمَّ؛ إنّا نعوذ بك من فتنة القول؛ كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلُّف لما لا نحسن؛ كما نعوذ بك من العجب بما نُحسن، ونعوذ بك من شرِّ السَّلاطة والهذَر؛ كما نعوذ بك من شرِّ العيِّ والحَصَر».
قال بعض الحكماء: «من العلم ألَّا تتكلَّمَ فيما لا تعلم بكلامِ مَن يعلم، فحسبُكَ خجلًا من عقلك أنْ تنطقَ بما لا تفهم».
قال زيادة بن زيد:
إذا ما انتهى عِلْمي تناهيتُ عندَهُ أطالَ فأملَى أو تناهَى فأقصرَا
ويُخبِرُني عن غائبِ المرءِ فعلُهُ كفَى الفعلُ عمّا غيَّبَ المرءُ مُخبِرَا
إذا ما انتهى عِلْمي تناهيتُ عندَهُ أطالَ فأملَى أو تناهَى فأقصرَا
ويُخبِرُني عن غائبِ المرءِ فعلُهُ كفَى الفعلُ عمّا غيَّبَ المرءُ مُخبِرَا
عن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه أنَّهُ قال:
«مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا. أَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَزْدَادُ لِلرَّحْمَنِ رِضًى، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَزْدَادُ طُغْيَانًا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾».
«مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا. أَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَزْدَادُ لِلرَّحْمَنِ رِضًى، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَزْدَادُ طُغْيَانًا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾».
وَلْيَكُنْ مِنْ شِيمَتِهِ الْعَمَلُ بِعِلْمِهِ، وَحَثُّ النَّفْسِ عَلَى أَنْ تَأْتَمِرَ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَلَا يَكُنْ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. فَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: يَعْنِي أَنَّهُ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ.
روي أنَّ النبي ﷺ قال: «ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمُصرِّين» يُريد: الذين يستمعون القولَ ولا يعملون به.
قال أبو الدرداء: «أخوَفُ ما أخاف إذا وقفتُ بين يدي الله تعالى أن يقول: قد علمتَ، فماذا عملتَ إذ علمتَ؟».
ومن آداب العلماء ألا يبخلوا بتعليم ما يُحسنون، ولا يمتنعوا من إفادة ما يعلمون؛ فإنَّ البخل به لؤمٌ وظلم، والمنع منه حسدٌ وإثم، وكيف يسوغ لهم البخل بما مُنحوه جودًا من غير بخل، وأُوتوه عفوًا من غير بذل؟
أم كيف يجوز لهم الشحُّ بما إن بذلوه زاد ونما، وإن كتموه تناقص ووهى؟ ولو استنَّ بذلك مَن تقدَّمهم لما وصل العلم إليهم، ولا نقرض عنهم بانقراضهم، ولصاروا على مرور الأيام جهَّالًا، وبتقلُّب الأحوال وتناقضها أرذالًا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
أم كيف يجوز لهم الشحُّ بما إن بذلوه زاد ونما، وإن كتموه تناقص ووهى؟ ولو استنَّ بذلك مَن تقدَّمهم لما وصل العلم إليهم، ولا نقرض عنهم بانقراضهم، ولصاروا على مرور الأيام جهَّالًا، وبتقلُّب الأحوال وتناقضها أرذالًا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: «مَن كتم علمًا يُحسنه.. ألجمه الله يومَ القيامة بلجامٍ من نارٍ».
وللعالم بالتعليم نفعان:
أحدهما: ما يرجوه من ثواب الله تعالى.. والنفع الثاني: زيادة العلم وإتقان الحفظ.
أحدهما: ما يرجوه من ثواب الله تعالى.. والنفع الثاني: زيادة العلم وإتقان الحفظ.
وينبغي أن تكون للعالم فراسةٌ يتوسَّم بها المتعلَّمَ؛ ليعرف بها مبلغَ طاقته، وقدر استحقاقه؛ ليعطيه قدرَ ما يحتملهُ بذكائه، أو لا يضعفُ عنه ببلادته؛ فإنَّه أروحُ للعالم، وأنجح للمتعلِّم.
ثم ليحذر اتباعَه فيما يجانب الدِّينَ، ويضادُّ الحقَّ؛ موافقةً لرأيه، ومتابعةً لهواه، فربَّما زلَّت أقدام العلماء في ذلك؛ رغبةً أو رهبةً، فضلُّوا وأضلُّوا.
ومن آدابهم نزاهة النفس عن شُبَه المكاسب، والقناعة بالميسور عن كدِّ المطالب؛ فإنَّ شُبَه المكسب إثمٌ، وكدَّ المطلب ذلٌّ، والأجر أجدرُ به من الإثم، والعزُّ أحقُّ به من الذلِّ.
قال بعض الحكماء: «مَن تفرَّد بالعلم لم توحشه خَلْوة، ومَن تسلَّى بالكتب لم تفُتْه سَلْوة، ومَن آنسته قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان».
ومن آدابهم أن يقصدوا وجه الله تعالى بتعليم مَن علَّموا، ويطلبوا ثوابه بإرشاد مَن أرشدوا، من غير أن يعتاضوا عنه عِوضًا، ولا يلتمسوا عليه رزقًا؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال أبو العالية: «لا تأخذوا عليه أجرًا، وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا بنَ آدم؛ علِّم مَجّانًا كما عُلِّمتَ مَجّانًا».
ومن آدابهم نُصحُ مَن علَّموا، والرفقُ بهم، وتسهيلُ السبيل عليهم، وبذلُ المجهود في رِفْدهم ومعونتهم؛ فإنَّ ذلك أعظمُ لأجرهم، وأسنى لذكرهم، وأنشرُ لمعلومهم، وأرسخ لعلومهم، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال لعلي بن أبي طالب: «يا عليُّ؛ لأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجلًا خيرٌ لكَ مما طلعَتْ عليه الشمسُ».
ومن آدابهم ألَّا يعنِّفوا متعلِّمًا، ولا يحتقروا ناشئًا، ولا يستصغروا مبتدئًا؛ فإنَّ ذلك أدعى إليهم، وأعطفُ عليهم، وأحثُّ على الرغبة فيما لديهم، وروي عن النبي ﷺ أنَّه قال: «علِّموا ولا تعنِّفوا؛ فإنَّ المعلِّمَ خيرٌ من المعنِّف».
ومن آدابهم ألا يمنعوا طالبًا، ولا ينفِّروا راغبًا، ولا يؤيسوا متعلِّمًا؛ لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم، والزهد فيما لديهم، واستمرارُ ذلك مفضٍ إلى انقراض العلم بانقراضهم؛ وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: «ألا أنبِّئكم بالفقيه كلِّ الفقيه؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «مَن لم يُقنط الناسَ من رحمة الله تعالى، ولم يُؤيِسْهم من رَوْح الله، ولا يدَعُ القرآنَ رغبةً إلى ما سواه، ألا لا خيرَ في عبادةٍ ليس فيها تفقُّهٌ، ولا علمِ ليس فيه تفهُّمٌ، ولا قراءةٍ ليس فيها تدبُّرٌ».
