" الأمراض النفيسة الأسباب والعلاج "
" الأمراض النفيسة الأسباب والعلاج "
كثُرت في هذه الأيام بعض الأمراض النفسية، يشكو الكثير من ضيق النفس والحرج، ما أسباب ذلك وما العلاج الشرعي؟
الجواب: لا شك أننا نعلم أن الإنسان مركب من شيئين: من الجسد ومن الروح، كل واحد يرجع إلى شيئين:
أولاً: الجسد: الذي يمثل العظم والعصب واللحم والدم وغير ذلك.
ثانيًا: الروح: روح الإنسان حياته الروحية.
ولكل من هذين غذاء، فمن المعلوم أن غذاء الجسد هو الطعام والشراب والهواء، هذا غذاء الجسد وما يتبع ذلك من مكملات، لكن مدارها على ثلاثة أشياء: الطعام والشراب والهواء، هذا هو غذاء الجسد.
والروح لها غذاؤها الخاص بها، وهو الوحي، والدين الذي يتمثل بالقرآن والسنة. إن الروح على اختلاف حياة الإنسان من أول ما أهبط الله آدم إلى الأرض، بحاجة إلى غذائها الروحي ألا وهو الوحي والشرع وقد أوحى الله إلى آدم شرعًا يناسبه ثم جاء بعده الرُّسل؛ نوح ومن بعده إلى أن خُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكل الأنبياء والرسل يبلغون الوحي والشرع لغذاء الأرواح، فالأرواح عندما تفقد غذاءها تُصاب بأمراض روحية من ضيق التنفس، والتوهم والتخيلات، والأمراض النفسية... إلى غير ذلك.
فهذا الغذاء الروحي العظيم الذي هو القرآن والسنة، وذكر الله سبحانه وتعالى، والأوراد الشرعية والأذكار الشرعية، كلها غذاء وطمأنينة وراحة للنفس، فبقدر ما فقد الناس وجهلوا من الغذاء الروحي، حصل لهم من الأمراض النفسية والأوهام والتخيلات والشكوات والوساوس والأمراض العقلية وغير ذلك، وكلما يكون الإنسان مستقيمًا متمسكًا قريبًا من الكتاب والسنة مخلصًا العبادة لله يقرأ من القرآن ما يتيسر ويحفظ من السنة ما يحفظ ويطبق ذلك عمليًا، تتغذى روحه وينشرح صدره ويذهب عنه الهم والغم والحزن.
فبقدر ما يأخذ من هذا الغذاء يكون منشرح النفس مطمئن البال، فهذا جواب مجمل لهذا السؤال، ولكن الجواب التفصيلي الذي يزيد النفس طمأنينة هو أن يُكثر الإنسان من أنواع العبادات، عبادة الذكر، عبادة تلاوة القرآن، عبادة الصلاة، عبادة الإحسان، عبادة صلة الرحم، عبادة حُسن الخُلق، عبادة بر الوالدين، عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبادة الإحسان إلى الأيتام والمساكين والفقراء والمحوجين، عبادة تعليم العلم وغير ذلك، فكل ما يطرق الإنسان ويأخذ من هذه الأبواب ما يأخذ، تكون مطمئنة نفسه مُنشرٌ صدره، وبقدر ما يُخِل بها يكون لديه ضيق في النفس وربما يكون لديه أمراض نفيسة، وتوهمات، ووساوس، وغير ذلك؛ ذلك أن الإنسان إذا افتقد هذه الأشياء، يعني مثلاً أنه غير واصل لرحمه، فهو يُحس بذلك، هذه تضيِّق على القلب وتضيِّق التنفس.
مثلاً غير محسن لجيرانه، يحس أنه غير محسن.
مثلاً إنسان كثير العتاب كثير الجدال، هذا يضيِّق النفس.
مثلاً قليل العفو، لا يعفو، ولا يصفح، يتصيد أخطاء الآخرين، ويجمعها ويثقل نفسه بها، فهذه المشكلات هذه الأمور يدل ما هي بعيدة عنه تكون مشاكل يحملها على كتفيه والحقيقة أن القلب هو الذي يتحمل هذه الأشياء، فبذلك يحصل له من الضيق ومن الحرج ومن الوسوسة ومن الأمراض النفسية ومن التخيلات ومن تكبير الأمور، بقدر ما يُخل وبقدر ما يُخطئ يكون مُخلاً بهذه الأشياء، بينما الإنسان البار لوالديه، الواصل لرحمه المحسن لجيرانه كثير العفو، كثير الصفح، إنسان لا يهتم كثيرًا ولا ينزعج ويعفو ويصفح، فمثلاً لو سمع كلمة تُهينه يعفو، لو جهل عليه إنسان وغلط فإنه يعفو ويصفح، والله جل وعلا يقول: " وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " (الشورى 43) والآيات كثيرة في هذا المجال، فأقول بأن الإنسان يجد الراحة النفسية بقدر ما يتعامل، مع دينه ومع ربه وبقدر ما يتعامل مع نفسه على ضوء القرآن والسنة فلا يضغط على نفسه ولا يؤذي نفسه بأن يُجمع عليها المشكلات ويحملها، فيطرح المشاكل ويطؤها تحت قدميه، وهناك مثل يقوله علماء النفس، يقولون: (اضحك للدنيا تضحك لك، وابك تبك وحدك) فإذا أنت أخذت الأمور بسهولة وبالعفو وبالصفح وبعدم الاهتمام والبعد عن الانزعاج. تجد أنك مرتاح النفس، مرتاح الضمير، بينما إذا كنت تتصيد وتلتقط الكلمات وتُعمقها وتقول: لا، المراد بالكلمة الفلانية كذا، وأراه كذا، ولم يُرد كذا... وقصدني... وأرداني... فتخلق من الحبة قبة فبذلك تكبر في نفسه هذه الأمور وتتنامى في نفسه وتتفاعل ويصبح لديه مشاكل تحتاج إلى حل في نظره فيتكون لديه الوسواس ويكثر عنده الاكتئاب وتتراكم عليه الهموم...الخ.
مختارات