الخزانة الثالثة..
• فقه العبادات و المعاملات:
كل ما أمر الله ورسوله به، فهو دين ندين الله به، سواء كان من العبادات فيما بين العبد وربه من صلاة وصيام وغيرها من أنواع العبادات، أو كان فيما بين العبد وغيره من الخلق كالبيوع والإيجارات، والمآكل والمشارب ونحو ذلك.
ومصالح الآخرة، وهى امتثال أوامر الله ﷿، لا تتم إلا بمعظم مصالح الدنيا التي منها الأكل والشرب والنكاح واللباس والسكن والمركب وغير ذلك من المنافع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
ولهذا انقسمت الشريعة الإسلامية إلى أقسام:
الأول: العبادات المحضة في جلب المصالح الأخروية.
الثاني: العبادات المتعلقة بمصالح الدنيا والآخرة.
الثالث: ما يغلب عليه مصالح الدنيا كالزكوات.
الرابع: ما يغلب عليه مصالح الآخرة كالصلوات.
وكذلك انقسمت المعاملات إلى أقسام:
إلى ما يغلب عليه مصالح الدنيا كالبيوع والإيجارات.
وإلى ما يغلب عليه مصالح الآخرة كالإجارة بالطاعات على الطاعات.
وإلى ما تجتمع فيه المصلحتان.
أما مصالح الآخرة فلباذليه، وأما مصالح الدنيا فلآخذيه كالزكاة والصدقة.
والعبادات أنواع:
أحدها المعارف المختصة بالله ﷿، كمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ومعرفة ملكه وسلطانه ومعرفة عظيم نعمه وإحسانه كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثاني: الأقوال المختصة بالله تعالى كالتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل والدعاء والاستغفار، وغيرها من الأذكار، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، ونصح المسلمين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله ﷿: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثالث: أفعال مختصة بالله تعالى كالحج والعمرة، والصيام والاعتكاف، والسعي والطواف ونحو ذلك.
الرابع: ما يشتمل على الحقين، ويغلب عليه حق الله مثل الصلوات والجهاد.
الخامس: ما يشتمل على الحقين: حق الله، وحق العباد.
ويغلب عليه حق العباد كالزكوات والكفارات.
وأما المعاملات فأنواع:
الأول: ما وضع لإفادة المصالح العاجلة، كالبيوع والإيجارات، وتدخله المصالح الآجلة بالعفو والهبات، وحسن القضاء، وحسن الاقتضاء.
الثاني: ما تكون فيه آجلة، كالاستئجار للحج والعمرة بتعليم القران، والآذان، أو تعليم القراءة والكتابة ونحو ذلك.
الثالث: ما تكون إحدى مصلحتيه آجلة، والأخرى عاجله، كالقرض الحسن مصلحته للمقرض آجلة، وللمقترض عاجلة.
الرابع: ما تكون مصلحته العاجلة لآخذيه، والآجلة لبادليه، كالأوقاف والوصايا، والهدايا والعطايا ونحو ذلك.
والمعاملات والعبادات كلها وسائل لتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودرء مفاسدهما: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥].
• فقه حقائق التصرفات:
الإنسان مكلفٌ بعبادة اللّه ما دام حيا، في كل مكان، وفي كل زمان، و في كل حال، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
و لن تتم حياته إلا بدفع ضروراته و حاجاته، من المآكل و المشارب، و المراكب و المساكن، و غيرها من أنواع المنافع، و لن يتم له ذلك إلا بإباحة التصرفات الدافعة للضرورات و الحاجات: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
والتصرفات أنواعٌ كثيرة منها:
النقل، والقبض، والإسقاط، والإذن، والرهن، والإتلاف.
فهذه ستة أنواعٍ من التصرفات:
الأول: النقل، فنقل الحق من أحد إلى أحد ضربان:
الأول: نقلٌ بعِوض، و هو أنواع:
الأول: البيع وهو انتقال سلعةٍ إلى آخر بعِوض.
الثاني: الإجارة، و هي بيع المنافع بالأموال أو المنافع.
الثالث: المضاربة، و هي التعاقد على التجارة بجزءٍ معلومٍ من الأرباح، كالثلث أو الربع و نحوهما.
الرابع: السَلَم، و هو بيع دينٍ بعين مقبوضةٍ في المجلس.
الخامس: القرض، و هو بذل عينٍ لمن ينتفع بها ثم يردها.
السادس: الجعالة، و هي بذل مالٍ في مقابلة عملٍ معلوم.
و نحو ذلك من أنواع البيوع التي ستأتي إن شاء الله.
الضرب الثاني: النقل مجانًا بغير عِوض كالهدايا، و الصدقات، والهبات، و الوصايا، والزكوات و الكفارات.
الثاني: الإسقاط:
إسقاط الحقوق ضربان:
أحدها إسقاطٌ بغير عِوض، و هو أنواعٌ منها:
الإبراء: و هو إسقاط الدين عن المدينين، و إسقاط القصاص بالعفو، و اللعان يُسقِط حد القذف، و إسقاط حق النكاح بالطلاق، و إسقاط ملك الرقيق بالعتق، و إسقاط الملك للعين بالوقف.
الثاني الإسقاط بالعِوض و هو أنواعٌ منها:
إسقاط حق الزوج بالخُلع، أو الطلاق على مال، و إسقاط ملك الرقيق بالعتق على مال، و إسقاط القصاص بالصلح على مال.
الثالث: القبض، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: قبضٌ بمجرد إذن الشرع، كقبض اللُقطة، ومال اللقيط، والقبض.
المقصود للولاة و الحكام، و كذا قبض الحاكم أموال الغير التي لا حافظ لها، كقبض الحاكم أموال المجانين والمحجور، عليهم بسفهٍ أو صِغر، و قبض أموال المصالح، والزكوات وأموال المحبوسين، وقبض الإنسان حقه إذا ظفر به.
الثاني: ما يتوقف جواز قبضه على إذن مستحقه و مالكه:
كقبض المبيع، وقبض الثمن، وقبض الصدقة، وقبض الرهون، وقبض الهبات ونحو ذلك.
الثالث: قبضٌ بغير إذن الشرع، ولا إذنٍ من المستحق والمالك:
فهذا إن كان القابض عالمًا بتحريمه فهو قبضٌ مغصوب، وهو مضمون، فإن على اليد ما أخذت حتى تؤديه، ولا يحل مال امرئ إلا بطيبةٍ من نفسه.
و إن كان الغاصب جاهلًا كأن يقبض مالًا يعتقده لنفسه، فبان لغيره، فلا إثم عليه، ولا يباح له، وهو مضمونٌ لصاحبه، فعليه إعادته له.
الرابع: الإذن.
والإذن ضربان:
الأول: ما ترجع فائدته إلى المأذون له، فإن كان من المنافع، فهي العواري، و إن كان من الأعيان فهو الضيافات و المناكح.
الثاني: ما ترجع فائدته إلى الآذن، فإن كان من الاستصناع، كالحَلْقِ والحجامة، فله أخذ الأجرة عليه.
وإن كان من التصرف القولي أو التوكيل في أنواع المعاملات، أو كان تصرفًا فعليًا كالقبض والإقباض، وهو التوكيل في كل ما يتعلق به الإذن من الأفعال القابلة للتوكيل جاز له ذلك.
الخامس: الإتلاف.
الإتلاف أقسام:
أحدها: إتلاف لإصلاح الأجساد، و حفظ الأرواح، كإتلاف الأطعمة و الأشربة و الأدوية الفاسدة حفظًا للأبدان و الأرواح، و كذا قطع الأعضاء المتآكلة حفظًا للأرواح و الأبدان.
الثاني: إتلاف الدفع، و هو أنواع:
الأول: قتل الحيوانات المؤذية كالحية و العقرب و السباع.
الثاني: قتل الكفار دفعًا لمفسدة الكفر في جهاد الطلب، ودفعًا لمفسدتي الكفر والإضرار بالمسلمين في قتال الدفع.
الثالث: قتل البُغاة، دفعًا لبغيهم، وخروجهم عن الطاعة.
الرابع: القتل، والقطع، والجرح، لدفع ضرر الصائل على الأنفس، والأموال، والعرض.
الخامس: إتلافٌ لدفع الضرر، كقتال الظلمة من المسلمين، دفعًا لظلمهم و عصيانهم، وتخريب ديارهم، وقطع أشجارهم، وقتل ذراريهم، إذا لم يمكن دفعهم إلا بذلك، و كذا تخريب ديار الكفار، و قطع أشجارهم و إحراقها إذا لم يمكن دفع شرهم إلا بذلك، و هو نوعٌ من الجهاد.
السادس: إتلاف ما يُعصى الله به كالأوثان والأصنام والصلبان، والملاهي، والخمور، والمعازف، لكن يكون ذلك بأمر الحاكم، لئلا يترتب على ذلك مفسدةٌ أكبر منه.
القسم الثالث: إتلاف الزجر، كالقصاص من الجناة، ورجم الزناة، وقطع أيدي السُراق وقطع أيدي وأرجل المحاربين والبغاة، زجرًا عن السرقة، والمحاربة، والجناية، وصون الأمن.
السادس: التأديب والزجر، و هو أقسام:
أحدها: ما قدره الشرع كالحدود، كحد الزنا، و السرقة، و القذف و نحوها، هذا لا يزاد عليه، و لا ينقص منه.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
الثاني: ما لا تقدير فيه، كالتعزيرات، حسب ما يراه الحاكم بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة.
الثالث: التأديب، كتأديب الوالدين لأبنائهم و بناتهم.
الرابع: تأديب العبيد و الإماء من أسيادهم.
الخامس: تأديب الدواب بأنواع الرياضات، كتأديب الخيل و نحوها.
ومقدار التأديب يكون بالأخف من الأقوال و الأفعال، و الحبس و الاعتقال، و لا يجاوز ذلك إلى الأغلظ، إذ هو مفسدةٌ لا فائدة فيه لحصول الغرض بما دونه.
فلله الحمد على هذه الشريعة السمحة العادلة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
• فقه تصرف الولاة:
يتصرف الولاة في الإسلام من الملوك و الأمراء و نوابهم، بما هو الأصلح للمُوَلّى عليه، درءًا للضرر و الفساد، و جلبًا للنفع و الرشاد.
و لا يقتصر الوالي على الصلاح، مع القدرة على الأصلح، إلا أن يؤدي إلى مشقةٍ شديدة، ويتخير الولاة في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم، فيختار ويفعل الأصلح والأحسن، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال الله ﷿: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
و كل تصرفٍ جر فسادًا، أو دفع صلاحًا، فهو منهيٌ عنه، مثل إضاعة المال من غير فائدة، و إضاعة الأوقات من غير فائدة، وإفساد الأمزجة والعقول من غير فائدة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
فالأكل على الشبع منهيٌ عنه، لما فيه من إضاعة الأموال، وإفساد الأمزجة، وقد يؤدي إلى تفويت الأرواح: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
أقسام الموانع:
موانع صحة العبادات.
و المعاملات، تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يمنع الصحة في الابتداء و الدوام، و هو أنواع:
أحدها: الكفر، وهو مانعٌ من ابتداء العبادة ودوامها، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
الثاني: الردة، تمنع صحة النكاح ابتداءً و دواما.
الثالث: المحرمية تمنع من ابتداء النكاح و دوامه.
الرابع: الرضاع، يمنع من ابتداء النكاح و دوامه.
الثاني: ما يمنع الابتداء، ولا يمنع الدوام، وهو أنواع:
أحدها: الإحرام؛ فإنه يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع الدوام.
الثاني: العِدة؛ فإنها تمنع ابتداء النكاح، ولا تمنع الدوام.
الثالث: رؤية الماء، وهو مانعٌ من ابتداء الصلاة بالتيمم، وغير مانعٍ إذا رآه في الصلاة.
الرابع: وجود الرقبة في صوم كفارة الظِهار، وقتل الخطأ، مانعٌ من ابتداء الصوم وغير مانعٍ من دوامه.
• أقسام الأفعال:
الأفعال التي تتعلق بها الأحكام ضربان:
الأول: ما هو حسنٌ في ذاته، حسنٌ في ثمراته، و ذلك كمعرفة الله بأسمائه و صفاته وأفعاله، ومعرفة دينه وشرعه، والإيمان بذلك، فهذا أحسن ما كلف الله به الإنسان، وهو أفضل من ثمراته التي هي دخول الجنان،والزحزحة عن النيران: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: ما هو قبيحٌ في ذاته، قبيحٌ في ثمراته، كالجهل بالله و دينه و شرعه، و الجهل بما يحب من المعرفة و الإيمان، فهذا ثمراته الخلود في النار، و الحرمان من الجنة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
ومن الأفعال ما هو متحدٌ في حقيقته وذاته، ولكنه يُنهى عنه تارة لقبح ثمراته، ويؤمر به تارة لحسن ثمراته، و يُباح تارة لمصلحة الإقدام عليه، أو الإحجام عنه، ولذلك أمثلة:
أحدها: القتل، وهو ثلاثة أقسامٍ باعتبار ثمراته، لا باعتبار ذاته؛ لأن ذاته إفسادٌ و إتلاف.
فالأول: قتلٌ حسن، لحسن ثمراته، كقتل من يجب قتله من الكفار والمسلمين المعتدين، أما قتل الكافر، فلما فيه من محو الكفر الذي هو من أفسد المفاسد، وأما قتل الجاني من المسلمين؛ فلما فيه من حفظ الأرواح، و زجر الجناة عن الجنايات: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
الثاني: قتل المسلمين حرام، لقبح ثمراته، لما فيه من العدوان بغير حق، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
الثالث: قتل من يجوز قتله بالقصاص من الجناة، فهذا حسنٌ، لحسن ثمراته كما قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
***
مختارات
