الخزانة التاسعة..
[مناسك الحج والعمرة]
• حكم رباع مكة:
مكة فُتِحت عنوة ولم يتعرض النبي ﷺ لشيء من أموال أهل مكة لا منقولها، ولا عقارها، ولا سبى ذراريهم، والمانع من ذلك ومن إجارتها كونها أرض المشاعر التي يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين الحاضر والباد كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٥ - ٢٦].
فالساكنون في مكة أحق بما احتاجوا إليه، لأنهم سبقوا إلى المباح، وأما الفاضل فعليهم بذله لمن احتاجه، فهم وإن كان البناء لهم لكن العرصة مشتركة بينهم وبين الناس، فأهل مكة لهم حق، وعليهم حق.
ومن صُدّ عن البيت أو أحصر بعدوٍ أو مرض وقد ساق معه الهدي ذبحه ثم أحلق، ثم حل حيث كان، وإن لم يكن معه هدي فلا شيء عليه؛ لأن حكم الإحصار نزل في الحديبية، وهم ألف وأربعمائة، وليس كلهم معهم هدي، فذبحوا سبعين من الإبل، والبقية ليس معهم هدي، فدلّ على أن المحصر ليس عليه هدي إذا لم يجد أو لم يستطع: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• والإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد ولا يجوز كالصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، فللحج أشهر، وللصلاة أوقات، وللصيام وقت، وتعدي حدود الله لا يجوز: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
• والمشروع عند الإحرام التلفظ بالنسك كأن يقول: لبيك عمرة، لبيك حجاً، لبيك حجًا وعمرة، فالمشروع عند الإحرام التلفظ بالنسك الذي يريده مع النية، لأن محل النية القلب.
• نسك التمتع أفضل لأمرين:
الأول: أن النبي ﷺ أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي ولا ينقلهم إلا للأفضل، ولا يتأسف إلا عليه.
ثانيًا: أن المتمتع أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة، وأفعال الحج كاملة، والنبي ﷺ حج قارنًا، وساق معه الهدي، فجمع الله له الأجرين؛ أجر فعل الأفضل، وهو القران مع سوق الهدي، وأجر ما اختار من موافقتهم من التحلل بعمرة لولا أنه ساق الهدي، كما قال ﷺ: «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَحَلَلْتُ».
أخرجه أبو داود والنسائي.
• والتلبية مشروعة في نسك الحج والعمرة عند الصعود والهبوط، أما التكبير فمشروع عند الصعود، والتسبيح مشروع عند الهبوط.
• والفدية في النسك ما وجب بسبب ترك واجب من واجبات الإحرام، أو فعل محظور كالحلق، أو بسبب منع كدم الإحصار، سميت بذلك لأنها فداء للنفس من العقوبة، كأن من وجبت عليه صار في هلكة يحتاج إلى إنقاذه منها بالفدية، أما الهدي فهو دم التمتع والقران يأكل منه، ويهدي لغيره.
• والاضطباع في طواف العمرة والقدوم سنة، إظهارًا للجلادة في مقام العبادة ومحله حين يبدأ بالطواف، لا من حين أن يحرم.
• والمتمتع إذا ساق الهدي يطوف بالبيت، ثم يسعى بالصفا والمروة، ثم يقصر، أما القارن فلا يحلق أو يقصّر حتى ينحر، هديه يوم النحر ويرمي جمرة العقبة ويحلق.
• والمتمتع والقارن والمفرد يقطع التلبية إذا دخل أدنى حدود الحرم، وكذا المعتمر، لكن المفرد والقارن يعود إلى التلبية بعد الفراغ من السعي.
• والوقوف بعرفة يبدأ بعد الزوال، وقد وقف النبي ﷺراكبًا على ناقته القصواء بعد الزوال، وقف على ناقته، ليراه الناس، والوقوف راكبًا أو جالسًا يختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه في فتوى ونحوها، أو كان يشق عليه ترك الركوب، فهذا الأفضل أن يقف راكبًا، لأنه الأخشع لقلبه.
• وإن كان جلوسه على الأرض أخشع له جلس؛ لأن مراعاة الكمال الذاتي للعبادة أولى من مراعاة الكمال في المكان.
• حكم من مات ولم يحج:
من مات قبل أن يحج فلا يخلو من حالين:
الأولى: إن كان قادرًا على الحج ولم يحج، فهذا يجب على ورثته أن يخرجوا من ماله لمن يحج عنه، سواء أوصى بذلك أو لم يوصي.
الثانية: إن كان الميت فقيرًا، أو شيخًا كبيرًا لا يستطيع الحج، فهذا المشروع لأولاده أن يحجوا عنه.
ولا يجب على الزوج أن يحج بزوجته، ولا الإنفاق عليها في حجها، لكن يحسن منه ذلك من باب حسن العشرة.
ولا يجوز للزوجة أن تحج حجة التطوع إلا بإذن زوجها، أما الحج الواجب فلها أن تسافر إلى الحج مع محرم سواء أذن زوجها، أو لم يأذن، ولكن عليها أن تسعى لإرضائه، والإذن منه، أكمل لنسكها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• عمر النبي ﷺ:
عُمَر النبي ﷺ كلها بعد الهجرة، في ذي القعدة، في أشهر الحج التي يرى المشركون العمرة فيها من الفجور
الأولى: عمرة الحديبية، سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون فنحر هديه، ثم حلق وتحلل وعاد إلى المدينة.
الثانية: عمرة القضاء، سنة سبع لما النبي ﷺ قاضى قريشًا على الحج فيها.
الثالثة: عمرة الجعرانة، سنة ثمان من الهجرة، لما خرج إلى حنين، ثم رجع إلى مكة واعتمر.
الرابعة: عمرته التي قرنها مع حجته سنة عشر من الهجرة.
• وعمرة رمضان التي تعدل حجه هي التي وقعت كلها في رمضان بداية ونهاية، فمن أحرم بالعمرة قبل رمضان، ثم أداها في رمضان، أو أحرم بها في رمضان وأداها في شوال، فهذا لا يقال أنه اعتمر في رمضان؛ لأن بعضها وقع في رمضان، وبعضها وقع في غير رمضان، وعمرة رمضان هي التي وقعت كلها في رمضان بداية ونهاية.
• كانت عُمَر النبي ﷺ كلها في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين؛ لأنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويرون أنها من أفجر الفُجر.
• وتجوز العمرة قبل الحج، ويجوز الحج قبل العمرة، وقد اعتمر النبي ﷺ ثلاث عُمَر كلهن قبل الحج، ولا يجوز للمسلم أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، فإن فعل وقع النسك من حج أو عمرة عن نفسه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
***
مختارات
