الخزانة الثامنة..
[مناسك الحج والعمرة]
• حدود الحرم:
المسجد الحرام يراد به نفس البيت، والمسجد المحيط به، والحرم كله، ومكة، وأول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم ﷺ بدلالة جبريل له، ثم جددها ابنه إسماعيل ﷺ، ثم جددها قصي بن كلاب، ثم جددها النبي ﷺ حيث أمر تميم بن أسد الخزاعي عام الفتح فجدد أنصاب الحرم، ثم جددها عمر بن الخطاب سنة سبعة عشر من الهجرة.
ثم جددها عثمان ﵁ سنة ست وعشرين، ثم استمر تجديد أنصاب الحرم، وفي عام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين تم بناء أعلام جديدة واضحة على مداخل الحرم الرئيسية في عهد الملك فهد بن عبد العزيز ﵀، وهو أكبر تجديد لأنصاب الحرم.
• الحرم المكي مساحات ومسافات:
محيط الحرم المكي: مائة وسبعة وعشرون كيلو متر تقريبًا،ومساحة الحرم المكي المربعة: خمسمائة وخمسون كيلو متر مربع تقريبًا.
والمسافة بين الكعبة وحدود الحرم كما يلي:
من جهة التنعيم: ستة كيلو ونصف تقريبًا.
ومن جهة طريق جدة السريع الحديبية اثنان وعشرين كيلو متر تقريبًا.
ومن جهة طريق الليث سبعة عشر كيلو متر تقريبًا.
ومن جهة طريق الطائف السيل اثنا عشر كيلو وثمانمائة وخمسون متر تقريباً.
ومن جهة طريق الطائف الهدى خمسة عشر كيلوا ونصف كيلو تقريبًا.
ومساحة الكعبة مائة وخمسة وأربعون متر مربع.
وطول جدارها من جهة الباب أحد عشر متراً وثمانية وستون سنتيمتر.
وطول جدارها من جهة الحِجر تسعة أمتار وتسعون سنتيمتراً.
وطول جدارها ما بين الركن الشامي واليماني اثنا عشر متراً وأربعة سنتيمتر.
وطول الجدار ما بين الركن اليماني والحجر الأسود عشرة أمتار وثمانية عشر سنتيمتر.
ويبلغ ارتفاعها أربعة عشر متراً، ومحيطها سبعة وأربعون مترا تقريبًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].
• بناء الكعبة:
بنيت الكعبة عدة مرات، والثابت المعلوم منها خمسة:
البناء الأول: بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة بارتفاع تسعة أذرع، أربعة ونصف متر تقريبًا، طولها من جهة الباب ستة عشر مترًا، ومن الجهة الغربية خمسة عشر متراً وخمسة سنتيمتر، ومن جهة الحجر أحد عشر مترًا، ومن الجهة الجنوبية عشرة أمتار، ولم يجعل لها سقفًا، وجعل لها بابين ملاصقين للأرض، من الجهة الشرقية والغربية.
الثاني: بناء قريش في السنة الخامسة قبل البعثة، وجعلوا ارتفاعها تسعة أمتار، وسقفوها، وسدوا الباب الغربي، ورفعوا الباب الشرقي، ونقصوها من جهة الحجر ثلاثة أمتار، لأن النفقة قصرت بهم.
الثالث: بناء عبد الله بن الزبير سنة أربع وستين هجرية الذي أعاد بناءها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين كما كانت، وجعل ارتفاعها سبعة وعشرون ذراعًا، ثلاثة عشر مترًا وخمسة سنتيمترات.
الرابع: بناء الحجاج بن يوسف، حيث أعاد بناءها على ما كانت عليه في عهد قريش، وأخرج منها ثلاثة أمتار من جهة الحجر، ولم يغير ارتفاعها، وذلك عام ٧٤ من الهجرة.
الخامس: بناء مراد خان العثماني الذي أعاد بناء الكعبة على ما كانت عليه بعد تصدع بناءها من جراء السيول عام ألف وأربعين هجرية.
وفي عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ﵀ بعمل إصلاحات شاملة للكعبة، مع تغيير سقفي الكعبة بسقفين جديدين، مع تبليط جدران الكعبة وأرضها من الداخل بالرخام، وقد شرّفني الله ﷿ بدخولها فرأيت ذلك ولله الحمد.
ومساحة المطاف الحالي سبعة عشر ألف متر مربع، ومساحة مقام إبراهيم أربعين سم في أربعين، وارتفاعه خمسين سم، ويبعد عن الكعبة أربعة عشر متراً ونصف، ولا يزال في مكانه من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا.
وبئر زمزم يبعد عن الحجر الأسود عشرين متراً وستين سنتيمتراً، وعمقه ثلاثون متراً وخمسة سنتيمتر تقريبًا.
والصفا جبل صغير يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من الكعبة، ويبعد عنها مئة وثلاثين متراً، ويقع أسفل جبل أبي قبيس.
والمروة جبل صغير يقع في الجهة الشمالية الشرقية من الكعبة، ويبعد عنها ثلاثمائة متر تقريبًا، وهو متصل بجبل قعيقعان.
والمسعى هو المكان الممتد بين جبلي الصفا، والمروة.
وطول المسعى ثلاثمائة وخمسة وتسعون متر تقريبًا، وعرضه أربعون متر تقريبًا.
• عمارة المسجد الحرام:
كان المسجد الحرام منذ بناء الكعبة، وحتى صدر الإسلام، يتكون من فناء كبير تتوسطه الكعبة، ولم يكن له جدار يحيط به.
وتقدّر مساحته في عهد النبي ﷺ بألفي متر مربع.
وفي سنة سبعة عشر أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁بزيادة ثمانمائة وستين متراً مربعاً، وهي أول زيادة في المسجد الحرام، وأحاطه بسور دون القامة.
وفي سنة ست وعشرين جعل فيه أمير المؤمنين عثمان ﵁أروقة يستظل بها الناس، وزاد في مساحته ألفين وأربعين متر مربع.
وفي سنة خمس وستين قام عبد الله بن الزبير ببناء الكعبة، وزاد في توسعة الحرم أربعة ألاف وخمسين متر مربع تقريبًا.
وفي سنة واحد وتسعين أمر الوليد بن عبد الملك بتوسعة المسجد الحرام، وعمارته، وسقفه بالساج، وكانت زيادته من الجهة الشرقية بمساحة ألفين وثلاثمائة متر مربع.
وفي سنة مائة وسبعة وثلاثين أمر الخليفة أبو جعفر بن منصور بتوسعة المسجد الحرام، وترميمه، نظرًا لكثرة الزوار والحجاج والمعتمرين، وتقدر مساحة التوسعة بأربعة ألاف وسبعمائة متر تقريبًا.
وفي سنة مائة وستون وسع الخليفة المهدي العباسي المسجد الحرام من جميع الجهات إلا الجهة الجنوبية لوجود مجرى السيل، وتقدر زيادته بسبعة ألاف وتسعمائة وخمسين متراً مربعاً، ثم لما حجّ سنة مئة وأربعة وستين أمر بتحويل مجرى السيل، ووسع المسجد حتى صار مربعًا، وزاد في مساحته ألفين وثلاثمائة وستين متر مربع.
وفي سنة مائتين وواحد وثمانين أدخل المعتصم بالله العباسي دار الندوة في المسجد الحرام في الجهة الشمالية، وزاد مساحة المسجد ألفاً ومائتين وخمسين متر مربع.
وفي سنة ثلاثمائة وستة زاد فيه المقتدر بالله العباسي من جهة باب إبراهيم مساحة ثمانمائة وخمسين متر مربع.
وفي سنة تسعمائة وتسعة وسبعين جدد السلطان سليم العثماني عمارة المسجد الحرام كاملاً، ولم يزد فيه شيء، وهو البناء العثماني الباقي حتى اليوم، والذي أُزيل، وبدأت بعده البناية السعودية ولله الحمد.
ففي عام ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعين بدأت التوسعة السعودية الأولى من جميع الجهات في عهد الملك سعود ﵀ببناء حديث من وراء البناء العثماني، ببناء يتكون من ثلاثة أدوار، وبني المسعى لأول مرة، وضم إلى المسجد الحرام بعد أن كان سوقًا، وصارت مساحة المسجد الحرام مائة وثلاثة وتسعون ألف متر مربع بزيادة قدرها مائة وثلاثة وخمسون ألف متر مربع.
وفي عام ألف وأربعمائة وتسعة أمر الملك فهد ﵀ بتوسعة المسجد الحرام من الجهة الغربية بمساحة ستة وسبعين ألف متر مربع بأدواره الأربعة، وتم تبليط الساحات الخارجية بالرخام الأبيض بمساحة خمسة وثمانين ألف متر مربع.
وبذلك بلغت المساحة الإجمالية للمسجد الحرام، والساحات الخارجية، ثلاثمائة وستة وخمسون ألف متر مربع، تتسع لأكثر من مليون مصلّي.
وفي عام ألف وأربعمائة وثمان وعشرين أمر الملك عبد الله بن عبد العزيز بإعادة بناء المسعى، وتوسعته، لشدة الزحام من جهة الشرق عشرون متر فصار عرضه أربعون متراً، وطوله ثلاثمائة وخمسة وتسعون متراً، ومساحته بأدواره الثلاثة مائة وخمسة وعشرون ألف متر مربع.
وفي عام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرون أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ﵀ بتوسعة المسجد الحرام من الجهة الشامية بعمق ثلاثمائة وثمانون متراً، ولا زالت تحت الإنشاء وقد اكتملت بنسبة تسعين بالمئة ولله الحمد والمنّة.
وكلما ازداد المسلمون قذف الله في قلوب من يتولى الإشراف على المسجد الحرام بتوسعته، وتهيئة المساكن حوله.
وتوسعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للحرم المكي من الجهة الشامية تساوي ثلاثة أضعاف المسجد الحرام القديم، ليتّسع الحرم في وقت واحد لأكثر من مليوني مصلّي.
وهذه التوسعة أكبر توسعة للحرم المكي في التاريخ، مبنية على أحسن طراز من الناحية المعمارية، مكيفة بشكل كامل، ومزودة بسلالم كهربائية للأدوار العلوية، ومزودة بأحسن السجاد، وزيد فيها مئذنتان جديدتان، لتصبح مآذن الحرم إحدى عشرة مئذنة.
وتقدر مساحة التوسعة الجديدة بحوالي مليون وسبعمائة وخمسون ألف متر مربع مع الساحات الخارجية ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
[المشاعر المقدسة مساحات ومسافات]
أولاً: منى، تقع شرق المسجد الحرام، وتبعد عنه أربعة كيلو متر تقريبًا، وطولها من جمرة العقبة إلى وادي محسر ثلاثة ونصف كيلو.
وتقدر مساحتها الإجمالية مع سفوح الجبال بأكثر من ستة كيلو متر مربع، وفي منى الجمرات الصغرى، والوسطى، والكبرى.
وفي عام ألف وأربعمائة وستة وعشرين أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ببناء جسر الجمرات الذي يتسع بحمد الله بجميع أدواره لخمسمائة ألف رامي في الساعة الواحدة.
ثانيًا: المزدلفة، وتقدر مساحتها بنحو تسعة كيلو متر تقريبًا، وتبعد عن مكة ثمانية كيلو تقريبًا، وتبعد عن عرفات ستة كيلو متر تقريبًا، وبني فيها مسجد المشعر الحرام الذي تبلغ مساحته خمسة ألاف وأربعمائة متر تقريبًا ويستوعب أكثر من ثمانية ألاف مصلي.
ثالثًا: عرفة، تقع في الجنوب الشرقي من مكة المكرمة وتبعد عن المسجد الحرام ثمانية عشر كيلو متر، وهي في الحل، ويفصلها عن الحرم وادي عرنة ومساحتها سبعة عشر كيلو متر مربع تقريبًا.
ووادي عرنة هو الحد الفاصل بين عرفات والحرم، والوادي ليس من عرفات، ولا من الحرم، وقد خطب فيه النبي ﷺفي حجة الوداع، وصلى فيه الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم دخل إلى عرفات، ووقف على الصخرات، حتى غربت الشمس، ويقع الوادي غرب عرفات.
والحسنات تضاعف في الحرم كله بمكة وغيرها، والسيئة بواحدة، كرم من الله في مكة وغيرها، والسيئة في الحرم لا تضاعف، بل هي مغلظة في حجمها عن الحل، فالسيئة في الحرم عظيمة وكبيرة في الحجم أكبر من السيئة في الحل، فليس من عصى الله في حرمه، وبين عباده، وفي بيته، كمن عصاه خارج حرمه.
ففي الحرم السيئة كبيرة وجزاؤها مثلها كبير، أما مقدار التضعيف للحسنات في الحرم فلا يعلمه إلا الله، ولم يثبت من ذلك التضعيف إلا في الصلاة، فالصلاة في الحرم في مكة أفضل من ألف صلاة فيما سواه.
• حكم دخول الكفار حرم مكة:
جزيرة العرب حدودها من الجنوب عدن، ومن الشمال الشام والعراق، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشرق الخليج العربي، ولا يجوز للكفار والمشركين الاستيطان في حرم مكة، ولا دخولها لحاجة أو لغير حاجة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].
ولا يجوز دخول اليهود والنصارى وسائر المشركين إلى جزيرة العرب للاستيطان إلا عند الحاجة والضرورة لقوله ﷺ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ».
متفقٌ عليه.
وقوله ﷺ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا».
أخرجه مسلم.
ومكة هي أم القرى، سميت بذلك لأن الأرض كلها دحيت من تحتها، أو لأنها قبلة أهل الدنيا، وسائر القرى تابع لها، أو لأن من أصول عبادات أهل الدنيا الحج، وهو إنما يحدث في مكة، فلهذا يجتمع الخلق فيها كل عام كما يجتمع الأولاد إلى الأم.
وقيل: إنما سميت مكة بأم القرى، لأن فيها أول بيت وضع للناس في الأرض، أو لأنها أول بلد سُكِنت في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام: ٩٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وقد فرض الله ﷿ الحج في السنة التاسعة من الهجرة بعد فتح مكة في رمضان، وأمر رسول الله ﷺ أبا بكر سنة تسع من الهجرة أن يحج بالناس فلما طهر الله بيته من المشركين، وأعمال الشرك، حج ﷺ سنة عشرٍ حجة الوداع.
ومكة هي قبلة المسلمين في صلواتهم، ومتعبد الحجاج في نسكهم.
واليهود كانوا يستقبلون جهة المغرب، والنصارى يستقبلون جهة المشرق، وقد أمر الله الرسول ﷺ والمؤمنين حين كانوا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس، ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وبها اليهود أُمِروا بالتوجه إلى الكعبة، ليتميزوا عن اليهود: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٣ - ١٤٥].
فالعرش العظيم قبلة حملته، ومن يطوف به من الملائكة، والبيت المعمور قبلة أهل السماوات من الملائكة، والكعبة قبلة المؤمنين في الأرض من الإنس والجن.
والمسجد الحرام بمكة قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة، فالكعبة قبلة لكل الأنبياء، لأنها أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله ﷿كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والكعبة بيت الله باختيار الله، ومساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله، وكلها تتوجه إلى بيت الله باختيار الله، وهذا وهذا كله مسجد للسجود لله، ولهذا كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت خلق الله في أي جهة من الأرض، فالذي يصلي أمام الكعبة قبلته الكعبة، والذي يصلي خارج المسجد قبلته المسجد، والذي يصلي بجهات الدنيا قبلته جهة المسجد الحرام: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
***
مختارات
