الخزانة الثانية..
[بقية أحكام الحج والعمرة]
• أصناف الحجاج:
• حج الناس أربعة أصناف:
الأول: حج المشركين: وهذا لا قيمة له، ولا يصح لما فيه من الشرك، والتفاخر، والمخالفات الشرعية.
الثاني: حج الصالحين: وهو كل من جاء لأداء الحج حسب السنة، ليكون حجه مبرورًا.
الثالث: حج الأنبياء: فالأنبياء اجتهدوا على أممهم، ثم جاءوا مع من آمن بهم، لأداء فريضة الحج.
الرابع: حج خاتم الأنبياء والمرسلين: فأدى ﷺ الحج والعمرة ثم قال: «خُذُوا عني مَنَاسِكَكُمْ».
أخرجه مسلم.
وحمل ﷺ الأمة مسئولية الدعوة بقوله: «لْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».
متفق عليه.
وهذا أفضل أنواع الحج، لما فيه من الجهد على النفس وأداء الفريضة كما أمر الله، ولما فيه من الجهد على الغير بالدعوة إلى الله، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
• بداية الطواف بالكعبة:
الحاج أو المعتمر يبدأ الطواف من الحجر الأسود سواء كان الطواف فرضًا أو نفلًا، ومن بدأ الطواف من الركن اليماني، فعليه أن يكمل الشوط السابع إلى الحجر الأسود؛ فإن سعى ولم يكمل، فعليه إعادة الطواف والسعي، وإن ذكر ذلك قبل السعي، وأكمل طوافه صح طوافه.
ومن بدأ بعد الحجر الأسود في الطواف كمن بدأ من مقام إبراهيم، وطاف سبعة أشواط، فعليه أن يزيد شوطًا، لأن الشرط الأول لاغي.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
والركن اليماني يستحب استلامه في كل شوط دون تقبيلٍ أو إشارةٍ أو تكبير، لفعله ﷺ، وطريقة الاستلام أن يمسحه بيده اليمنى.
وحجر الكعبة تسميته بحجر إسماعيل لا أصل لها، فليس قبر إسماعيل فيه، ويسمى الحجر بالحطيم.
• أحكام الطواف والسعي:
ما يتسع وقته يقدم عليه ما يفوت وقته:
١ - فمن دخل المسجد الحرام والناس يصلون التراويح أو الجنازة الأفضل أن يصلي معهم، ثم يؤدي العمرة التي أحرم بها.
٢ - إذا سافر من نقص شيئًا من الطواف أو السعي، فيعيد العمرة كاملة من جديد، ومن شق أو تعذر مجيئه فيكون محصرًا، ويذبح شاة.
٣ - من انتقل في طوافه أو سعيه من الدور الأرضي إلى الدور الثاني فما فوقه، فيكمل من محاذاة ما وقف عليه.
٤ - ومن أنزل منيًا أو مذيًا وهو يطوف، فيجب عليه الغسل من المني، والوضوء من المذي، ثم يكمل طوافه، فإن كان متعمدًا فهو آثم، وإن كان غير متعمدٍ فلا إثم عليه كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
«فقال الله: قد فعلت».
أخرجه مسلم.
٥ - ولا يصح تقديم السعي على الطواف لعذرٍ أو لغير عذر؛ لأن مكان السعي بعد الطواف، لكن إن قدمه في أعمال يوم النحر في الحج خاصة فجائزٌ للرخصة لقول النبي ﷺ:«افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
متفق عليه.
٦ - والرمل والاضطباع يستحب لغير المكي، أما المكي فلا يرمل ولا يضطبع وذلك خاصٌ بالرجال دون النساء.
والرمل في السعي مشروع للمكي وغيره، لكن للرجال دون النساء، والأفضل للمتمتع بعد عمرته التقصير ليحلق في الحج لحديث «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِعه هْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وليقصر، وَلْيَحِلْ».
متفق عليه.
٧ - عمد الصبي خطأ، والخطأ لا يؤاخذ به المكلف في المحظورات.
• أحوال تغيير النسك:
أولاً: من جاء مفردًا للحج، ثم أراد أن يغير النية إلى متمتع أو قارنٍ فله ذلك.
ثانيًا: من جاء قارنًا وأراد أن يكون متمتعًا فله ذلك، ما لم يسق الهدي.
ثالثًا: من جاء متمتعًا، وأراد جعل نسكه مفردًا لا يجوز، وإن أراد جعله قرانًا فلا يجوز إلا إذا ضاق عليه وقت الوقوف بعرفة.
رابعًا: من جاء مفردًا، وأراد جعله قرانًا فله ذلك.
خامسًا: من جاء مفردًا أو قارنًا، وأراد جعله عمرة بلا حج لا يجوز إلا للمحصر.
سادسًا: من جاء متمتعًا لكن نسي التقصير، ولبى بالحج، فهو متمتع، ولا إثم عليه، ومن جاء قارنًا، وقصر ناسيًا، وبقي على إحرامه، فلا شيء عليه، وإن شاء أن يتحلل ويكون متمتعًا فله ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
سابعًا: من جاء مفردًا، وقصر ناسيًا، وبقي على إحرامه فلا شيء عليه.
لقول الله ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
«فقال الله: قد فعلت».
أخرجه مسلم.
وفي هذه الصور الانتقال من مفضول إلى فاضلٍ مشروع، ومن فاضلٍ إلى مفضولٍ لا يُشرع.
ودخول الكعبة ليس بسنة، وإنما هو حسن، ولم يفعله الرسول ﷺ لا في حجٍ ولا عمرة، وإنما دخلها ﷺ عام الفتح وطهرها من الأصنام وصلى فيها ركعتين.
• حكم طواف الوداع:
طواف الوداع يسقط عن الحائض، والنفساء، والعاجز،والمريض الذي لا يستطيعه ماشيًا أو راكبًا لقول الله ﷿:﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• حكم قطع ثمر شجر الحرم:
يجوز قطع ثمرة شجر الحرم، سواء تسبب في إنباتها الآدمي أو لم يتسبب، ويجوز رعي البهائم من كل الحرم، لكن لا يجوز قطع النبات منها، ويجوز قطع السواك لأن فيه منفعة كالإذخر.
• حكم طواف من حدثه دائم:
من حدثه دائم كمن به سلس البول أو المستحاضة أو من يكثر خروج الريح منه، فيتوضأ، ويصلي، ويطوف بالبيت،ولا ينتقض وضوؤه إلا بأحد نواقض الوضوء المعروفة:﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• أحكام الحج والعمرة:
الحج والعمرة أفضل من الصدقة بنفقتها، لمن أخلص لله القصد، وجاء بذلك على الوجه المشروع.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «سُئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: إِيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِه» قِيلَ: ثُمَّ ماذا قَالَ: «جِهادٌ في سَبيلِ اللهِ قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرورٌ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ».
متفقٌ عليه.
ومن مات ولم يحج وهو يستطيع، وجب الحج عنه من التركة أوصى بذلك أو لم يوصي: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
• العبادات التي ورد الشرع بالنيابة فيها عن الغير:
هي: الحج، والعمرة، والصوم، والصدقة، والدعاء، أما غيرها فلا لعدم ورود الدليل في ذلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
أخرجه مسلم.
و قال النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
أخرجه البخاري.
وقال ﷺ لأحد الصحابة: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمَرَ».
أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح.
• أشهر الحج:
هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، فهذه هي الأشهر التي يُهل بها الحاج بالحج، ومن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم احرم بالحج مفردًا، فليس عليه دم التمتع؛ لأنه مفرد.
أما إن سافر إلى غير بلده كالمدينة وجدة والطائف، ثم رجع محرمًا بالحج، فهو متمتعٌ عليه دم التمتع.
• أحكام الإحرام:
الزعفران طيبٌ فلا ينبغي للمحرمٍ استعماله في القهوة وغيرها.
ومن لبس المخيط جاهلًا أو ناسيًا قبل أن يقصر، وجب عليه خلعه، ولبس الإحرام، ثم يحلق أو يُقصر في مكة أو بلده، ولا شيء عليه لقول الله ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ».
أخرجه مسلم.
والنبي ﷺ قَبل الحجر الأسود، واستلمه في طوافه، ومسح الركن اليماني.
واستلم جدران الكعبة من الداخل لما دخل الكعبة عام الفتح، وألصق صدره وذراعيه وخده في جدارها، وكَبر في نواحيها، ودعا، أما في خارجها فلم يفعل شيئًا من ذلك.
والمرأة إذا لم تطهر من الحيض أو النُفاس قبل يوم التروية وهي محرمة أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمةٌ فيه، وصارت قارنة.
ويجوز الجمع في منى للحاج، كما يجوز القصر، ولكن الاقتصار على القصر دون الجمع هو الأفضل، وهو سُنَّة النبي ﷺ الثابتة بفعله ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
• فقه الإستطاعة في الحج:
الاستطاعة في الحج تكون بثلاثة أشياء:
١ - وجود الزاد
٢ - الراحلة
٣ - وأمن الطريق.
وتزيد المرأة أمرًا رابعًا، وهو وجود المحرم من زوجٍ أو أبٍ أو ابنٍ أو أخ أو عمٍ أو خال ونحوهم من المحارم؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
متفقٌ عليه.
• أحكام الحج والعمرة:
١ - السُنَّة صلاة الظهر والعصر في الحج يوم عرفة بعرنة خارج عرفة، جمعًا وقصرًا، ولو صلاها في عرفة، لشدة الزحام، وحصول المشقة فلا بأس.
٢ - حصى الجمار التي تُرمى بها الجمار تكون فوق الحمص، ودون البندق، أقل من بعر الغنم قليلًا.
٣ - الحج أكمل من العمرة، وإذا أحرم أحدٌ بهما في وقتٍ قريب للحج فالأفضل أن يُقصر رأسه للعمرة، ويجعل الحلق للحج؛ لأن الحج أكمل من العمرة فيكون الأكمل للأكمل، لأن الحج ركن من أركان الإسلام.
٤ - إذا حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإفاضة بقي عليها الطواف حتى تطهر، ولو لم تطهر إلا في المحرم أو صفر، فتؤديه ولا دم عليها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
• فقه رمي الجمرات:
١ - من رمى الجمرات جاهلًا أو ناسيًا بدون ترتيب صح رميه؛ لأنه معذورٌ بالجهل والنسيان، وقد حصل المقصود، والأحكام الشرعية لا تلزم إلا بعد العلم بها، والقدرة على فعلها، فإن ذكر قبل فوات الوقت لزمه رمي الثانية، ثم جمرة العقبة؛ ليحصل له الترتيب.
٢ - ومن طاف للوداع قبل تمام الرمي، لم يجزئه عن الوداع؛ لأنه أوقع الوداع قبل إكمال المناسك، والوادع لا يكون إلا بعد إتمام مناسك الحج كلها.
ليس على المفرد هدي، وإن أهدى فهو أفضل، ومن ذبح هديه خارج الحرم كعرفات لم يجزئه، ولو وزعه داخل الحرم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
والنبي ﷺ أهل بالحج بذي الحليفة، لما ركب ناقته القصواء، ولما استوت به راحلته في البيداء أعاد الإهلال، وكرره، لتعليم الناس، أما رواية أنه أهل في مصلاه فضعيفة.
يوم عرفة ليلته بعده، ويوم العيد، وهو يوم النحر ليلته بعده، وليلة الثاني عشر تابعةٌ لليوم الحادي عشر، وليلة الثالث عشر تابعةٌ لليوم الثاني عشر، وأما ليلة الرابع عشر فليس فيها رمي؛ لأن الرمي ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
فلله الحمد والمنة على التيسير والتسهيل: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
***
مختارات
