الخزانة الثانية..
• منزلة الصيام في الإسلام:
صيام رمضان ركن من أركان الإسلام العظام، فرضه الله ﷿ في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقد صام رسول الله ﷺ تسعة رمضانات في تسع سنين، ثم توفي ﷺ.
والصيام من أعظم العبادات التي تورث التقوى، ولهذا أضافه الله إليه تشريفًا وتعظيمًا له، وهو سر بين العبد وربه.
وشهر رمضان أفضل الشهور، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من الليالي العشر ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر.
وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، لأن فيها يوم الحج الأكبر.
ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، وليلة القدر أفضل ليالي العام.
• أركان الصيام:
للصيام ركنان:
الأول: النية، بأن ينوي المسلم الصيام قبل الفجر.
عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺيَقُولُ: إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
الثاني: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
• مراحل فرض الصيام:
الصيام فيه نوع مشقة على النفوس، فأُخذت به النفوس على التدريج شيئًا فشيئًا، لتعتاده وتألفه على ثلاث مراحل:
الأولى: فرض صيام عاشوراء، وهو العاشر من محرم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، صَامَهُ وَأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قال:مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» متفق عليه.
الثانية: ثم نسخ إيجاب صيام عاشوراء، وفُرض صيام رمضان على التخيير بين الصيام والفدية، كما قال سبحانه:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
الثالثة: ثم فُرض صوم رمضان على كل مسلم بدون تخيير،كما قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
فلله الحمد والمنة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
• أقسام المسلمين في صيام شهر رمضان:
المسلمون في رمضان على ثلاثة أقسام:
الأول: قسم يجب عليه الصيام.
الثاني: قسم يجب عليه الفطر.
الثالث: قسم يجوز له الفطر والصوم.
الأول: الذين يجب عليهم الصيام هم كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، والمرأة الطاهرة من الحيض والنفاس.
الثاني: الذين يجب عليهم الفطر، وعليهم القضاء: الحائض والنفساء.
عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَألْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أسْألُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».
أخرجه مسلم.
ومن خشي الهلاك بصومه، فيجب عليه الفطر، لإنقاذ نفسه أو غيره، كمريض السكر والضغط ونحوهما إذا أمر بذلك الطبيب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
الثالث: الذين يجوز لهم الفطر والصوم هم:
الأول: المريض، وللمريض ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون مرضه يسيرًا لا يتأثر بالصوم كالزكام والصداع اليسير، فهذا لا يجوز له أن يفطر.
الثانية: أن يزيد مرضه بالصوم، أو يتأخر برؤه، ويشق عليه الصوم، لكن لا يضره، فهذا يستحب له الفطر، ويكره له الصوم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
الثالث: أن يشق عليه الصوم، ويتسبب في ضرر قد يفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصوم؛ لما فيه من تعريض نفسه للهلاك، وهو محرم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
الثاني: المسافر
والمسافر له ثلاث حالات:
الأولى: أن يشق عليه الصوم، أو يعوقه عن فعل الخير، فهذا الفطر في حقه أولى من الصيام.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟فَقالوا: صَائِمٌ، فَقالَ: لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّيام فِي السَّفَر».
متفق عليه.
وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، قال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أكْثَرُنَا ظِلًا صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قال:فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأبْنِيَةِ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأجْرِ».
متفق عليه (١).
الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة قد تفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر؛ حفظًا للنفس من الهلاك.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ «أنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: أولَئِكَ العُصَاةُ، أولَئِكَ العُصَاةُ».
أخرجه مسلم.
الثالثة: أن لا يشق عليه الصوم، ولا يعوقه عن فعل الخير، فهذا الصوم في حقه أولى من الفطر، كما قال سبحانه:﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤].
وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرو الأسْلَمِيِّ ﵁ أنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ الله! أجِدُ في قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ الله، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ».
أخرجه مسلم.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: «سَألَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرو الأسْلَمِيُّ رَسُولَ الله ﷺ، عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ».
متفق عليه.
الثالث: الحامل والمرضع:
الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على الجنين، أو الرضيع، فيجوز لهما الفطر، وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما.
الرابع: المريض الذي لا يرجى برؤه، والشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، فهؤلاء يفطرون، ويطعمون عن كل يوم مسكينًا،ولا قضاء عليهم:: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤].
• ثبوت دخول شهر رمضان:
يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين:
الأول: رؤية هلال شهر رمضان من مسلم، عدل، قوي البصر، رجلًا كان أو امرأة.
الثاني: إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا إذا لم يروا هلال رمضان.
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ».
متفق عليه.
• أحكام رؤية الهلال:
إذا ثبت دخول شهر رمضان وجب البدء بالصوم فوراً، وإذا لم يرى هلال رمضان مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكذا لو حال دونه غيم أو قتر، وإذا صام الناس ثمانية وعشرين يومًا ثم رأوا هلال شوال أفطروا، ولزمهم صوم يوم بعد العيد، وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم يرى الهلال لم يفطروا حتى يروا هلال شوال، لقول النَّبِيُّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ».
متفق عليه.
• من يلزمه الصوم بالرؤية:
أولًا: إذا رأى الهلال أهل بلد لزمهم الصوم.
وحيث أن مطالع الهلال مختلفة، فلكل إقليم، أو قطر، حكم يخصه في بدء الصيام ونهايته حسب رؤيتهم، وإذا رئي الهلال في المشرق فلا بد أن يهل على من كان في الجهة المغرب، وإذا رئي الهلال في المغرب فلا يلزم أن يهل على أهل المشرق.
وإن صام الناس جميعًا في أقطار الأرض برؤية واحدة فهذا حسن، وهو مظهر يدل على الوحدة والإخاء والاجتماع، وهيبة المسلمين، واجتماع كلمتهم.
وإلى أن يتحقق هذا إن شاء الله تعالى فعلى كل مسلم أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم أهل البلد على أنفسهم فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها، حسمًا لمادة الفرقة التي نهى الله عنها، لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ثانيًا: من رأى وحده هلال رمضان، ورد قوله، صام سرًا.
ومن رأى هلال شوال، ورد قوله أفطر سرًا، وإن رئي هلال رمضان نهارًا فهو لليله المقبلة، فإن غاب قبل الشمس فهو لليله الماضية.
• حكم إعلان دخول شهر رمضان:
يجب على إمام المسلمين أن يعلن بالوسائل المشروعة والمباحة دخول شهر رمضان إذا ثبت دخول شهر رمضان شرعًا، وكذلك خروجه، وقد تحقق وتيسر ذلك الأن بفضل الله، ﷿، فنسأل الله ﷿ أن يجمع المسلمين في أقطار الأرض على صيام موحد وعيد موحد، وعلى كلمة واحدة:﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
• حكم صوم من جهل الوقت:
من جهل وقت الصوم كالأعمى والسجين وغيرهم، فله ثلاث حالات:
الأولى: إذا وافق صومه الشهر أو بعده فصومه صحيح عدا الأيام التي لا يصح صومها كالعيدين.
الثانية: إذا صام قبل الشهر لم يصح، لأنه جاء بالعبادة قبل وقتها.
الثالثة: إن وافق صومه الليل دون النهار لا يصح، لأن الليل ليس وقتًا للصوم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: -٢٨٦].
• حكم من صام في بلد ثم سافر:
الحكم في الصيام والإفطار للبلد التي سافر إليها، فيفطر معهم إذا أفطروا، لكن إن أفطروا لثمانية وعشرين يومًا قضى يومًا بعد العيد، ولو صام أكثر من ثلاثين يومًا فلا يفطر إلا معهم، وإن رجع إلى بلده أفطر معهم.
• أحكام نية الصيام:
أولاً: يجب على المسلم ليحصل على الأجر أن يصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، لا رياء ولا سمعة، ولا تقليدًا للناس، ولا متابعة لأهل بلده، بل يصوم لأن الله أمره أن يصوم، ويحتسب الأجر عند الله، وكذا سائر العبادات: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
ثانيًا: يجب تعيين نية الصيام من الليل قبل طلوع الفجر للصوم الواجب كصوم رمضان وغيرة؛ وتجزئه نية واحدة عن كل الشهر، وكذا بصيامه المتتابع، لأن الأصل استصحاب النية، ورمضان كله كيوم واحد، ويصح صوم النفل بنية من النهار ما لم يفعل ما يفطر بعد طلوع الفجر.
ثالثًا: يصح صوم الفرد بنية من النهار إذا لم يعلم وجوبه من الليل كما لو قامت البينة بالرؤية أثناء النهار، فإنه يمسك بقيه يومه، ولا يلزمه قضاء، وإن كان قد أكل، لأنه شرع في الواجب بعد العلم به، والأحكام الشرعية لا تلزم إلا بعد العلم بها، والقدرة على فعلها.
رابعًا: من وجب عليه الصوم نهارًا كالمجنون يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم ونحوهم، هؤلاء تجزئهم النية من النهار حين الوجوب، ولو بعد أن أكلوا أو شربوا ولا قضاء عليهم.
خامسًا: من نوى الصوم ثم تسحر وغلبه النوم، ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس فصومه صحيح، ولا قضاء عليه، لكنه أثم إن فرط وتساهل، فعليه التوبة والاستغفار.
سادسًا: نوى الإفطار أفطر، لأن الإسلام مركبٌ من ركنين:
النية، والإمساك عن المفطرات؛ فإذا نوى الإفطار سقط الركن الأول، لأنه أساس الأعمال، وأعظم مقومات العبادة وهو النية.
سابعًا: من نام ليلة الثلاثين من شعبان وقال: إن كان غدا من رمضان فأنا صائم فتبين أنه رمضان، فصومه صحيح.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ قال: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ».
متفق عليه.
***
مختارات
