الخزانة السادسة..
• أحوال الإنفاق من المال:
الإنفاق من المال على ثلاث درجات:
الأولى: الزكاة المفروضة، وهي أعظم الحقوق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثانية: إذا نزل بالناس نازلة من مجاعةٍ أو كارثة وجب صرف المال إليها.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال ﷿: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
الثالثة: الصدقات والهدايا:
وهي حقوقٌ مستحبة، وهي من مكارم الأخلاق من مواساة قرابة وإعطاء سائل، وصلة أرحام، وإعارة محتاج، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ».
أخرجه مسلم.
• فضل الصدقة الجارية:
قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [التغابن: ١٧ - ١٨].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الإنسان انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
أخرجه مسلم.
• حكم الصدقة بكل المال:
يجوز للمسلم أن يتصدق بجميع ماله، إذا كان قويًا مكتسبًا صابرًا غير مدين، ليس عنده من يجب الإنفاق عليه، قوي الإيمان واليقين.
والأفضل أن يترك لنفسه ما ينفعه ويعفه عن السؤال والإشراف.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟، قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟، قَالَ:أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا».
أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ حسن.
• فضل الإكثار من الصدقة:
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفَقَ زوجينِ في سبيلِ اللَّهِ، دعاهُ خَزَنةُ الجنَّةِ، كلُّ خَزَنةِ بابٍ: أي فل، قال أبو بَكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، ذاكَ الَّذي لا تَوى عليهِ،فقال النَّبيُّ ﷺ: إنِّي لأرجو أن تَكونَ مِنهم».
متفقٌ عليه.
• قوة الصدقة:
عن عدي بن حاتم ﵁ قال: «ذَكَرَ الرسولُ ﷺ النَّارَ، فأعرض وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أعرض وَأَشَاحَ، حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمن لَمْ تَجِدْ فبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلا أَخَذَهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ فيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ قَلُوصَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ أَعْظَمَ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».
أخرجه مسلم.
• فضل اليد العليا:
اليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة، والمنفقة أعلى من الآخذة، وأعلى من السائلة.
عن حكيم بن حزام ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ».
متفقٌ عليه.
• أولى الناس بالصدقة:
أولى الناس بالصدقة أهل المتصدق، وأولاده، وأقاربه، وجيرانه، وذو الحاجة الماسة، ولا يجوز للمسلم أن يتصدق على البعيد وهو محتاجٌ إلى ما يتصدق به لنفقته، ونفقة عياله، لأن الأقربون أولى بالمعروف: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكِ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكِ وَعَنْ شِمَالِكَ».
أخرجه مسلم.
• فضل الصدقة على الأقارب:
عن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان الرسول ﷺ فذكرت ذلك للرسول ﷺ فقال: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ».
متفقٌ عليه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ».
متفقٌ عليه.
• فضل الصدقة على الحيوان:
عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنزل بِئْرًا، فَشَرِبَ منها، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بي، فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثم رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر».
متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
متفقٌ عليه.
• فضل الصدقة بالزرع والغرس:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ».
متفق عليه.
وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً».
أخرجه مسلم.
• فضل الصدقة عن الميت:
عن ابن عباس ﵄ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ لما تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُك أَنَّ حَائِطَيْ الْمِخْرَافِ صَدَقَةٌ عليها».
أخرجه البخاري.
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا أتى لِلنَّبِيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ولم توصي، وَأظنها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَلها اجر إن تَصَدَّقت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ».
متفق عليه.
• فضل الإيثار:
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وَأَطْفِئْ السِّرَاجَ وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
».
متفق عليه.
• حكم الصدقة من الحرام:
الله ﵎ غني عن العالمين، فلا يرضى لعباده، ولا من عباده، إلا كل طيبٍ وحلال، ولا يتقبل الأعمال إلا من المتقين ولا يقبل الصدقات إذا كانت من حرام وخبيث، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ فَقَال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
وَقَال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك».
أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُقْبَلُ اللَّهُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٍ مِنْ غُلُولٍ».
أخرجه مسلم.
• حكم الأكل من الصدقة:
إذا وصلت الصدقة إلى مستحقها ملكها، إن شاء باعها، وإن شاء صرفها على نفسه، أو أكرم بها غيره.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ».
متفق عليه.
وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «بُعَثَ إِلَيَّ نسيبة الأَنْصَارِيَّةُ بشَاةً فأرسلت إِلَى عَائِشَةَ ﵂ منها، فَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لا، إِلا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نسيبة مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فقَالَ: هَاتِي فَقَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا».
متفق عليه.
• حكم شراء الصدقة:
لا يجوز لأحدٍ تصدق بصدقة على إنسان أن يشتريها منه؛ لأنه أخرجها من ملكه لله، فلا يحل الرجوع فيما أعطاه لله ولو كانت بقيمةٍ، أما غيره فيجوز له شراؤها.
عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت عُمَرَ ﵁ يقول: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه فَقَالَ: «لَا تشتره، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وإن أعطاكه بدرهم فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعائد فِي قَيْئِهِ».
متفق عليه.
• حكم الصدقة على الكافر:
تسن الصدقة على المسلم، وتشرع الصدقة على الكافر، تأليفًا لقلبه، وسدًا لجوعته، وتفريجًا لكربته، ويثاب على ذلك المسلم المتصدق: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتَ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقُلْتُ: يا رسول الله قَدِمَتَ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ».
متفق عليه.
• حكم الصدقة على بني هاشم:
النبي ﷺ له تحل لا الزكاة الواجبة، ولا صدقة التطوع.
وبنو هاشم ومواليهم لا تحل لهم الزكاة الواجبة، وتحل لهم صدقة التطوع، لشرف النبوة، ولأنها أوساخ لا تليق بذلك المقام.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﵁ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ له رسول الله ﷺ: «كِخْ كِخْ ارمي بها أَمَا علمت أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ».
متفق عليه.
أما الهدية لبني هاشم:
فبنو هاشم جميعًا ومواليهم تجوز الهدية لهم لا الزكاة.
عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ فَأَكَلَ مَعَهُمْ».
متفق عليه.
• حكم السؤال من غير حاجة:
يحرم على الإنسان سؤال الناس الزكاة أو الصدقة وعنده ما يكفيه، ومن سأل الناس تكثرًا فإنما يجمع جمرًا يوقد عليه في نار جهنم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ».
أخرجه مسلم.
• مفاسد السؤال من غير حاجة:
١ - سؤال غير الله عند الحاجة ظلمٌ في حق الله؛ لأن الله أمر بسؤاله وحده؛ لأنه الصمد، قاضي الحاجات، الذي تصمد إليه الخلائق كلها في حاجاتها، كما قال سبحانه:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وهو سبحانه قاضي الحاجات وحده.
٢ - وهو ظلمٌ في حق السائل؛ لأنه أذل نفسه لغير الله.
٣ - وظلمٌ في حق المسئول؛ لأنه قد يعطي وهو كاره.
٤ - سؤال غير الله من غير حاجة فيه ذل للسائل، وتعطيل للقوي والمواهب، وجحد لنعمة الله بالتشبه للفقراء، وخداعٌ للناس، وكذبٌ عليهم، وأكل لأموال الناس بالباطل وكل ذلك محرم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».
متفق عليه.
• حكم أخذ ما جاء من غير سؤال:
من أعطاه الله شيئًا من غير سؤال ولا إشراف نفس فليأخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليه فإن شاء تموله وإن شاء تصدق به.
عن ابن عمر ﵄ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي: فأقول: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذْهُ وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ».
متفق عليه.
• فضل التعفف عن السؤال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ».
متفق عليه.
• حكم إعطاء من سأل بفحشٍ وغلظة:
عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قال: «قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا،فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ،قَالَ: إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلُونِي، فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ».
أخرجه مسلم.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبه جَذَبةً شَدِيدَةً قَالَ أَنَسٌ حتى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذَبتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ».
متفق عليه.
• فضل شكر المعروف:
السنة لمن صُنع إليه معروف أن يكافئه، فإن لم يجد دعا له.
قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاء».
أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح.
***
مختارات
