الخزانة الثامنة..
أحكام الإمامة
المصلي إما أن يكون إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا.
• فضل الإمامة:
الإمامة فضلها عظيم، ولأهميتها تولاها النبي ﷺ بنفسه، وخلفاؤه الراشدون من بعده ﵃.
والإمام عليه مسؤولية كبرى وهو ضامن، وله أجر كبير إن أحسن، وله من الأجر مثل أجر من صلى معه.
• حكم متابعة الإمام:
يجب على المأموم متابعة الإمام في صلاته كلها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: ربنا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ».
متفق عليه.
• الأحق بالإمامة:
الأحق بالإمامة هو الأقرأ، وهو الأكثر حفظًا للقرآن، العالم فقه صلاته، ثم الأعلم بالسنة، ثم أقدمهم هجرة، ثم أقدمهم إسلامًا، ثم الأكبر سنًّا، ثم قرعة، وهذا فيما إذا حضرت الصلاة وأرادوا أن يقدموا أحدهم، فإن كان للمسجد إمام راتب وحضر فهو المقدم، وساكن البيت، وإمام المسجد، أحق بالإمامة إلا من ذي سلطان.
عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا».
أخرجه مسلم.
«مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلا أن يقدماه».
أخرجه أبو داود والترمذي.
• حكم الصلاة خلف الفاسق:
يجب تقديم الأولى في الإمامة، وإن لم يوجد إلا فاسق كمن يحلق لحيته، أو يشرب الدخان، أو الخمر ونحو ذلك، صحت الصلاة خلفه مع الكراهة، والفاسق من خرج عن طاعة الله تعالى بفعل كبيرة من كبائر الذنوب.
ولا تصح صلاة خلف من صلاته فاسدة يحدث أو غيره إلا لمن لا يعلم، فتصح صلاة المأموم، وعلى الإمام الإعادة.
• حكم صلاة المسبل:
من صلى وهو مسبل فصلاته صحيحة، لكنه آثم، ولا ينبغي للمسبل أن يؤم المصلين، فإن أَمَّهم صحت الصلاة خلفه مع الكراهة.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَال: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ: أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ».
أخرجه مسلم.
• حكم مسابقة الإمام:
تحرم مسابقة الإمام في الصلاة، ومن سابقه عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، أما التخلف عنه، فإن تخلف عن الإمام بعذر كما لو سها أو غفل أو لم يسمع الإمام حتى سبقه فإنه يأتي بما تخلف به مباشرة ويتابع الإمام ولا حرج عليه:﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• أحوال المأموم مع الإمام:
للمأموم مع الإمام أربع حالات:
الحالة الأولى: المسابقة، وهي أن يسبق المأموم الإمام في التكبير أو السجود أو السلام أو غيرها، وهذا الفعل لا يجوز، ومن فعله فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته، وإن سبقه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته معه أصلًا.
الحالة الثانية: الموافقة، وهي أن تتوافق حركة الإمام والمأموم بالانتقال من ركن إلى ركن، كالتكبير أو الركوع أو السجود ونحوهما، وهذا مكروه إلا أن وافقه في تكبيرة الإحرام فلا تنعقد صلاته.
الحالة الثالثة: المتابعة، وهي أن تحصل أفعال المأموم عقب أفعال الإمام مباشرة، والمتابعة هي الأمر المطلوب من المأموم، وبها يحصل الاقتداء الشرعي.
الحالة الرابعة: المخالفة، وهي أن يتأخر المأموم عن الإمام حتى يدخل في ركن آخر، وهي لا تجوز لما فيها من ترك الاقتداء: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
متفق عليه.
• أحوال المسبوق:
أولاً: من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، فيكبر تكبيرة الإحرام قائمًا، ثم يكبر تكبيرة الركوع إن أمكنه، فإن لم يمكنه نواهما بتكبيرة واحدة وركع.
ثانيًا: من دخل فوجد الإمام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا دخل معه، وله أجر ما أدرك، لكن الركعة لا تدرك إلا بالركوع.
وتدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام ما لم يشرع في قراءة الفاتحة.
ومن دخل المسجد وقد فاتته الصلاة مع الإمام الراتب، فالواجب عليه وعلى من تخلف معه أن يصلوا جماعة، ولكن فضلها ليس كفضل الجماعة الأولى.
• صفة إطالة الصلاة وتخفيفها:
يسن للإمام إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا خففها خفف بقية الأركان.
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺفَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ وَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ».
متفقٌ عليه.
• حكم التخفيف في الصلاة:
يسن للإمام التخفيف مع الإتمام؛ لأنه قد يكون في المأمومين الضعيف والسقيم، والكبير، وذو الحاجة ونحوهم، وإذا صلى منفردًا أطال كيف شاء، والتخفيف المسنون في الصلاة هو الذي يصحبه إتمام الصلاة، بأداء أركانها وواجباتها وسننها كما فعله النبي ﷺ، وواظب عليه، وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين.
ولا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ولا لمن ينقر صلاته: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• أين يقف المأموم؟.
أولاً: السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، وإن كان واحدًا فعن يمين الإمام، وإمامة النساء تقف وسط صفهن، وتقف النساء خلف الرجال.
ثانيًا: يصح عند الحاجة أن يقف المأمومون عن يمين الإمام، أو عن جانبيه، وفوقه، وأسفل منه، ولا يصح قدّامه ولا عن يساره فقط إلا لضرورة، كما يحصل في المسجد الحرام: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• صفة صف الرجال والنساء خلف الإمام:
أولًا: يصف الرجال خلف الإمام إذا سبقوا، ثم الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا، ثم النساء خلف الصبيان.
ويشرع في صفوف النساء ما يشرع في صفوف الرجال من إكمال الصف الأول فالأول، وسد الفرج، وتسوية الصفوف، كما سبق.
ثانيًا: إذا صلت النساء جماعة وحدهن فخير صفوفهن أولها، وشرها آخرها كالرجال، ولا يجوز أن تصف النساء أمام الرجال، أو يصف الرجال خلف النساء إلا لضرورة من زحامٍ ونحوه، كالمسجد الحرام وقت الحج ونحوه، وإن وقفت المرأة في صف الرجال للضرورة من زحام ونحوه وصلّت لم تبطل صلاتها، ولا صلاة من خلفها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهاَ آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا».
أخرجه مسلم.
• أهل الصف الأول:
الأحق بالصف الأول، والقرب من الإمام، هم أولو الأحلام والنُّهى، أهل العلم والشأن والتقى، وهم قدوة الناس فليبادروا إلى ذلك.
والصف الأول حقٌ لكل مسلم سواءٍ كان كبيرًا أو صغيرًا، فلا يجوز إبعاد الصبيان عن الصف الأول؛ لأن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، وإبعادهم يجعل الصبيان يكرهون المساجد، والذي أبعدهم، ويجمعهم على اللعب خلف الصف، وذلك يشوش على المصلين، ويمنعهم من الخشوع.
عن أبي مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ فَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أولُو الأحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم».
أخرجه مسلم.
• حكم تسوية الصفوف:
يجب تسوية الصفوف في الصلاة بالمناكب، والأكعب، وسد الخلل، وإتمام الصف الأول فالأول، فالسنة أن يُقبل الإمام على المأمومين بوجهه ويقول: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلاةِ».
متفقٌ عليه.
أو يقول: «أَقِيْمُوا صُفُوْفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا».
أخرجه البخاري.
أو يقول: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أولُو الأحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم».
أخرجه مسلم.
أو يقول: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِيْنُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ، وَلا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ الله».
أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح.
أو يقول: «اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا».
أخرجه النسائي بسندٍ صحيح.
يقول هذا مرة، وهذا مرة، إحياءً للسنة، وعملًا بها بوجوهها المشروعة.
• صفة إمامة الصبيان والنساء:
إذا أمَّ الإمام صبيين أو أكثر، وقد بلغا سبعًا جعلهما خلفه، فإن كان واحدًا جعله عن يمينه، والنساء تصف خلف الصبيان.
ويصح أذان الصبي المميز وإمامته في الفرض والنفل، وإن وُجد أولى منه وجب تقديمه، وكل من صحت صلاته صحت إمامته، ولو كان عاجزًا عن القيام أو الركوع ونحو ذلك، إلا المرأة فلا تؤمُّ الرجال، لكن تؤمُّ مثلها من النساء.
• حكم الفتح على الإمام:
الفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين:
الأول: فتحٌ واجب، وهو الفتح فيما يبطل تعمده الصلاة كما لو نسي الركوع أو السجود، أو نسي آيةً من الفاتحة، أو لحن لحنًا يحيل المعنى.
الثاني: فتح مستحب، وهو الذي لا يُفوِّت كمالًا كما لو نسي أن يقرأ سورةً بعد الفاتحة، أو قفز آيةً من غير الفاتحة، أو غلط في آيةٍ ونحو ذلك.
عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله قال: «إنَّمَا أَنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني».
متفقٌ عليه.
• حكم الإمام إذا أحدث:
إذا أحدث الإمام أثناء الصلاة قطع صلاته، واستخلف من يكمل بالمأمومين صلاتهم، فإن لم يستخلف، فإن تَقدَّم أحد المأمومين، أو قدَّموه فأكمل الصلاة بهم، أو أكملوا صلاتهم فرادى فصلاتهم صحيحةٌ إن شاء الله تعالى.
***
مختارات
