الخزانة السابعة..
آداب المشي إلى الصلاة
• الصلاة من أعظم مقامات العبد بين يدي ربه العظيم، وصلاة الجماعة أعظم مقامات العباد بين يدي ربهم.
وصلاة الجماعة لها آداب عند المشي إليها، وآداب عند أدائها، وآداب بعد الفراغ منها.
• فأما آداب المشي إلى الصلاة فهي:
أن يتطهر المسلم لها في بيته، مع إحسان الوضوء وإسباغه، والدعاء بما ورد عند الخروج من المنزل، والخروج إليها مبكرًا لإدراك فريضة انتظار الصلاة، والصف الأول، وتكبيرة الإحرام.
والمشي للمسجد بسكينة ووقار، وتقديمه رجله اليمنى عند دخول المسجد، والدعاء بما ورد من الدعاء عند دخول المسجد.
وإذا دخل المسجد يصلي ركعتين قبل أن يجلس تحية المسجد، ويشتغل بالذكر والدعاء والنوافل، وتلاوة القرآن حتى تقام الصلاة.
وله أن ينوي بتلك الركعتين سنة الوضوء والسنة الراتبة إن كانت، وتحية المسجد.
قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
فإذا فرغ من ذلك اشتغل بالذكر والدعاء والنوافل وقراءة القرآن حتى تقام الصلاة، ولا يشبك بين أصابعه في الطريق، والمسجد، لأنه في صلاة، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يؤذي أحدًا بقول أو فعل.
ويجتنب الروائح الكريهة، وإذا أراد الخروج من المسجد قدم رجله اليسرى ودعا بما ورد، والمرأة إذا أرادت الصلاة في المسجد تفعل كذلك، وتجتنب الطيب والزينة والسفور ونحوها مما يفتنها أو يفتن غيرها.
• وأما آداب وسنن الصلاة:
فكما سبق في صفة الصلاة.
• وأما الآداب بعد الفراغ من الصلاة:
فأن يجلس في مكانه بعد السلام، و يستغفر الله، ويأتي بالأذكار الواردة بعد السلام كما سبق.
• حكم خروج النساء إلى المساجد:
الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهن، ويجوز للمرأة أن تخرج للصلاة في المسجد مع الجماعة إن استطاعت ليلًا أو نهارًا على الوجه المأذون به شرعًا، وعلى زوجها أن يأذن لها ولا يمنعها.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ»: إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ».
متفق عليه.
• ماذا يفعل من فاتته صلاة الجماعة:
من ذهب إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، وكان تأخره لعذر، فإنه يكتب له أجر من صلاها وحضرها، فيبقى في المسجد وينتظر من يصلي معه جماعة، أو يذهب إلى مسجد آخر، ليدرك فيه الجماعة، أو يرجع إلى بيته فيصلي بهم جماعة، فإن لم يتيسر له ذلك صلاها منفردا.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ».
أخرجه أبو داود بسند صحيح.
• فضل انتظار صلاة الجماعة:
عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «أعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى والذي ينتظَر الصَّلَاة حتَّى يصلِّهَا معَ الإِمَام أعْظَمَ أَجْرًا من الَّذِي يُصَلِّي ثمَّ يَنَام».
متفق عليه.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يزال العبدُ في صلاة ما كان في مصلاه ينتظرُ الصلاةَ، وتقول الملائكةُ:اللهمَّ اغْفِرْ له، اللهمَّ ارْحَمْهُ، حتى ينصرفَ أو يُحْدِثَ، قلتُ: ما يُحْدِثُ؟ قال: يَفْسُو أو يَضْرِطُ» متفق عليه.
• صفة قضاء الصلاة لمن نام عنها في السفر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: «عَرَّسْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى آذَتْنَا الشَّمْسُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ ثُمَّ لِيَتَنَحَّ، فإن هَذَا الْمَنْزِلِ حضرنا فيه الشيطان، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الغداة».
أخرجه مسلم.
• حكم صلاة النوافل المطلقة جماعة:
الأصل في النوافل المطلقة أن يصليها المسلم منفردًا، إلا ما تشرع له الجماعة، ويجوز أن تصلى النوافل جماعة أحيانًا في الليل أو النهار، في البيت أو في المسجد، أو غيرهما، ولا يداوم على ذلك، ولا يتخذه عادة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ له، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا.
فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» متفق عليه.
• حكم الصلاة في مسجد فيه قبر:
يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب أن يهدم المسجد الذي بني على قبر، أو ينقل جثمان الميت إذا دفن في المسجد، وأيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق.
ولا تصح الصلاة إلى القبور، ولا في المساجد المبنية على القبور، وبناء المساجد على القبور، أو اتخاذها مساجد، سبب للعنة الله ﷿.
عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ في مَرَضَهُ الَّذِي لمْ يَقَم مِنْه: «لَعَنَ الله اليَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبَيَائهمْ مَسَاجِد قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أبْرز قَبْره غَيْر أَنَّه خُشي أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِداً».
متفق عليه.
• صفة الانصراف من المسجد بعد صلاة الجماعة:
يسن للإمام إذا صلى معه الرجال، وإذا صلت معه النساء من دون حائل، أن ينتظر قليلًا بعد السلام، حتى تنصرف النساء.
ويسن للرجال المكث في المسجد قليلًا، حتى تنصرف النساء، ويدخلن بيوتهن، ثم ينصرفون بعد ذلك.
عن أم سلمة أن النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا».
أخرجه البخاري.
• حكم التخلف عن صلاة الجماعة:
يجب على المسلم أن يصلي الصلوات الخمس في المسجد جماعة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن تخلف عن صلاة الجماعة في المسجد فله حالتان:
الأولى: أن يتخلف بعذر من مرض أو حبس ونحوهما، فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة.
عنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
أخرجه البخاري.
الثانية: أن يتخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر، فهذا صلاته صحيحة، لكنه يخسر أجرًا عظيمًا، ويأثم إثمًا كبيرًا، وإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا، و لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
متفق عليه.
• أعذار ترك الجمعة والجماعة:
الصلوات الخمس والجمعة واجبة على كل مسلم مع جماعة المسلمين، وعند وجود العذر الشرعي، أو حصول المشقة المعتبرة، فإنه يجوز التخلف عن الجمعة والجماعة، والصلاة حسب الاستطاعة، لأن المشقة تجلب التيسير كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
متفق عليه.
• ومن أهم تلك الأعذار الشرعية:
المرض الشديد، ومدافعة البول والغائط، والتأذي بالمطر أو الوحل، أو الثلج أو البرد، والرياح والعواصف الشديدة، ومن خاف الضرر على نفسه أو ماله، أو أهله أو رفيقه، والخوف من فوات الرفقة في السفر، والخوف من فوات موعد الطائرة أو القطار، أو الحافلة أو السفينة، ومن كان بحضرة طعام محتاج إليه قدم إليه، ومن يعمل في مصالح المسلمين الضرورية كالأطباء والحراس ورجال الأمن والمطافي إذا تطلب العمل مناوبتهم كما في الظروف الشديدة والنكبات، فيصلون في أماكن عملهم، ولهم أن يصلوا بدل الجمعة ظهرًا عند الحاجة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدعوه».
متفق عليه.
• ومن أعذار ترك الجمعة والجماعة:
من أصيب بمرض معدٍ كالإلفلونزا، والكوليرا، ونحوهما مما يعدي الناس، فإنه يمنع من المسجد، وحضور الجمعة والجماعة في المسجد وغيره، حماية للناس من انتشار الوباء بينهم، ومنع الضرر عنهم، وتخفيفًا على المبتلى، وإذا وقع حادث حريق أو غرق في وقت صلاة تجمع مع غيرها جاز تأخيرها وجمعها مع الصلاة التي بعدها لمن يشتغل بذلك، وإن وقع الحادث وقت صلاة الفجر أو العصر أو العشاء فتؤخر الصلاة عن أول وقتها، وتصلى في آخر الوقت ولو بالتناوب بين العاملين في إطفاء الحريق أو الإنقاذ.
وإن كان البلاغ عن الحادث من ثقة، وكنا خطيرًا، جاز قطع الصلاة لمباشرة الحادث، وإنقاذ من فيه من المسلمين،ويصلون بالتناوب قبل خروج الوقت: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• حكم حضور الجماعة لمن به رائحة كريهة:
من أكل بصلًا أو ثومًا أو كراثاً، أو شرب دخاناً ونحو ذلك مما يتأذى منه الملائكة وبنو آدم، فلا يجوز له أن يصلي في المسجد مع الجماعة ما دامت الرائحة موجودة، زجرًا له لا تخفيفًا عليه، فإن صلى معهم فهو آثم، وصلاته صحيحة.
قال النبي ﷺ: «مَنْ أكَلَ بَصَلًاَ، أو ثُومًا، أو كُرَّاثَا، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ».
متفق عليه.
***
مختارات
