الخزانة العاشرة..
التعبد لله باسمه الرحمن الرحيم:
الله ﷿ هو الرحمن الرحيم بجميع مخلوقاته، الرحمن الرحيم الذي لا أرحم منه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وكل رحمة في العالم العلوي والسفلي فمن آثار رحمته الواسعة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
والله ﷿ هو الرب الرحمن الرحيم الذي بطن بذاته، وظهر بصفاته، واستعلى بأسمائه، وتجلى بأفعاله، وله الحمد كله على ربوبيته، وألوهيته، وكمال عظمته ورحمته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٦].
هو ﷻ الرحمن الرحيم الذي استوى على أعظم المخلوقات وهو العرش، بأعظم الصفات وهي الرحمة، ليعلم عباده أنه الرحمن الرحيم الذي يحب أن يرحم جميع خلقه، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وقال ﷿: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
ومن آثار رحمة الرحمن الرحيم أن رحمته مبسوطة في الكون كله، لا تخلو منها ذرة في العالم العلوي، والعالم السفلي، ولا في الدنيا ولا في الآخرة: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
فاسأل ربك الرحمن الرحيم، الخبير الحق، أن يرشدك إلى معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، وآياته ومخلوقاته، ونعمه وآلائه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٨ - ٥٩].
واعلم رحمك الله، أن رحمة الله تنال بالإحسان، فأحسن إلى نفسك بحملها على طاعة الله، وحسن عبادته، وكفها عن معصية الله، وتجميلها بما يحبه الله من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
وأحسن إلى غيرك ببذل الخير والمعروف، وارحمه بما أقدرك الله عليه من ضال تهديه، أو جاهل تعلمه، أو فقير تسد حاجته، أو عار تكسوه، أو سفيه تحلم عليه، أو شديد تصبر عليه، أو ضعيف تواسيه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١١ - ١٨].
واعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء، فارحم رحمك الله كل مخلوق من إنسان أو حيوان، أو مؤمن أو كافر، أو برٍ أو فاجر، فما أرسل الله الرحمن الرحيم نبيه ﷺ إلا رحمةً للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأنت من أتباعه بالإيمان، والأقوال، والأعمال، والأخلاق،فاقتد به: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
واعلم أن الله عرفك باسمه الرحمن الرحيم، لتتصف بالرحمة، وترحم خلقه، فارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال النبي ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم».
متفق عليه.
واعلم أن الرحمن الرحيم سبحانه شرع لنا من الفرائض والنوافل، والواجبات والسنن، ما يقربنا إليه، فتقرب بذلك إلى ربك، لتنال رحمته، وكلما زاد قرب العبد من ربه، وعظمت طاعته لمولاه، زاد نصيبه من رحمة ربه:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وحرم الله علينا الكفر والشرك، والكبائر والقتل بغير حق، والمعاصي والفواحش والآثام، وكل ما يبعدنا عنه، وكل ما يؤذي ويضر خلقه، رحمةً بنا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
فابتعد أيها المسلم عن كل ما نهى الله ورسوله عنه، لتسلم من شره، وتنجو من عقوبته، وتنال اجر تركه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
واعلم رحمك الله أن دين الله كله رحمة وحكمة، وعدلٌ وإحسان؛ لأنه من الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [فصلت: ١ - ٣].
وإذا أدخلك الرحمن الرحيم في رحمته، فجعلك مسلمًا، فارحم الناس أجمعين، وعرفهم بأرحم الراحمين، وادعهم إلى سلوك الصراط المستقيم؛ يرضى الله عنك، ويزيد حسناتك،ويكفر سيئاتك: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ارحم الخلق أجمعين، وأكرم المتقين، واخفض جناحك للمؤمنين، وأعرض عن الجاهلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].
وارحم المساكين، وعلم الجاهلين، ودل العباد على ربهم الرحمن الرحيم، وخالق الناس بخلقٍ حسن، واذكر ما أنعم الله به عليك من النعم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١].
واعلم أن الله ﷿ خصك برحمته، لترحم نفسك، وترحم عباده، وتعبد الرحمن بموجب أسمائه وصفاته، واعلم أن الرحمن الرحيم ليس كمثله أحد في الرحمة، وخزائن الرحمة كلها عنده وحده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وهو أرحم بالخلق من أنفسهم، فاسأله أن يتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة؛ لأنه غني كريم، يجيب السائلين، ويعطي الطالبين، ويهدي الضالين، ويتوب على التائبين: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وارحم خلقه الذين انقطعوا عنه، أو لم يعرفوه، حببه إليهم ببيان أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، وعرفهم بجزيل نعمه، وسعة رحمته، ليحبوه ويطيعوه، ويؤمنوا به ويعبدوه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وحببهم إلى ربهم بدعوتهم إليه، وذكر آلائه ونعمه، ليدخلوا في دينه، ويعملوا بشرعه، ويدخلوا في رحمته، ويسعدوا بمحبته، بإتباع رسوله ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
فنستغفر الله، ونتوب إليه، من ترك دعوة الكافرين،والتقصير في نصح المسلمين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ١٠].
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
• ثمرات التعبد لله بأسمائه وصفاته:
معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله مثمرة للجميع الخيرات والبركات، العاجلة والآجلة، ومن أعظم آثارها وثمراتها في حياة كل مسلم ما يلي.
الثمرة الأولى: عبادة الله وحده لا شريك له:
والعبادة بأنواعها أجل ثمرات العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يعبد الله حقًا إلا من عرفه حقًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فمن عرف ربه بالملك والجبروت، والعظمة والكبرياء، وعرفه بالغنى والإحسان، والرحمة واللطف، وعرفه بالعلم والإحاطة، وعرفه بالقوة والقدرة، وعرف أنه السميع البصير، العليم الخبير، تضرع إليه بالذكر والدعاء، وتوجه إليه بالحمد والثناء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الثمرة الثانية: محبة الله ﷿:
ومحبة الله قوت القلوب، وشفاء الصدور، وقرة العيون، ومن أحب الله أحبه الله، ورضي عنه وأرضاه، وتقبل منه وهداه:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فإذا اجتمع للعبد معرفة داعي الإحسان والإنعام، إلى داعي جلال ربه وجماله، فذلك نورٌ على نور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
ولا يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وكمال العبودية ثمرة المحبة، والمحبة لله ثمرة معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإنعامه وإحسانه، ومحبة الله تجر العبد لطاعة ربه، وفعل ما يرضيه، واجتناب معاصيه، وتحرك القلب واللسان والجوارح لعبادة الله، وإتباع رسول الله ﷺ، والإعراض عما سوى ذلك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
الثمرة الثالثة: التعظيم والذل لله ﷿:
فإذا شهد العبد عظمة ربه، أفاض ذلك على قلبه الذل والانكسار بين يدي ربه العزيز الجبار، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلًا لربه، وتعظيمًا له، وحبًا له، وأكثرهم سجودًا لربه أكملهم معرفةً بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن سجد هذه السجدة القلبية سجدت معه جميع الجوارح، واكتملت عبوديته، ومن أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية لربه الملك العزيز الجبار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وجميع أبواب الطاعات عليها زحام إلا باب الذل والافتقار إلى الله، فهو أقرب الأبواب وأوسعها، ولا مزاحم فيه، لقلة الداخلين منه، فادخل منه إلى ربك الملك الحق يأخذ بيدك إليه، وتكون عبده المنكسر بين يديه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الثمرة الرابعة: الخوف والخشية:
فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، وكان له أشد خشية:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
الثمرة الخامسة: اليقين والطمأنينة بالله ﷿:
فإذا عرف العبد ربه العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا وأفعاله الكبرى، امتلأ قلبه إيمانًا ويقينًا، ونورًا وإشراقًا، ومحبة لله وتعظيمًا له، وانتفى عنه كل ريب وشك:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإذا تيقن القلب نزلت فيه السكينة، وحلت فيه الطمأنينة، وزاد إيمانه، وحسنت عبادته: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح: ٤].
الثمرة السادسة: الرضا عن الله ﷿:
فمن عرف ربه بعدله وإحسانه، وحلمه ورحمته وحكمته، وعرف أسماءه الحسنى، وصفاته العلا، أثمر له ذلك الرضا بحكم الله وأقداره، والتسليم لأمره ونهيه، لعلمه بأن تدبير الله أحسن من تدبيره، وأحكام الله خيرٌ من هوى نفسه، وثواب الله أعظم من عمله، ورحمة الله أرجى من أعماله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
الثمرة السابعة: التوكل على الله وحده:
فمن عرف ربه العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، سكن إليه، وتوكل عليه وحده في جميع أموره؛ لعلمه بكمال كفايته، وقيامه بشأن خلقه كلهم إيجادًا وإمدادًا وتدبيرًا:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وكلما كان العبد بالله أعرف كان إيمانه بالله أعظم وكان توكله على ربه أقوى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
الثمرة الثامنة: إخلاص العمل لله ﷿:
فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أخلص له العمل، لعلمه بكماله وغناه عن كل ما سواه، وشدة حاجة الخلق إليه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
ولا يشرك أحد مع الله غيره في عملٍ إلا لجهله بأسماء الله وصفاته وأفعاله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه معي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ».
أخرجه مسلم.
الثمرة التاسعة: التوبة والإنابة إلى ربه:
فمن عرف ربه العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة، سارع إلى طاعته، وتاب إليه من معصيته؛ لعلمه بكمال حبه لعبده، ورحمته به، وفرحه بتوبته:﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
الثمرة العاشرة: ذوق حلاوة العبادة:
فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، كانت قرة عينه في مناجاة ربه، والأنس به، فليس في الدنيا نعيمٌ يشبه نعيم الجنة إلا هذه المعرفة، ولا حلاوة تشبه حلاوة الجنة إلا عبادة الله بهذه المعرفة.
وكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد إيمانًا وحبًا، وتعظيمًا وحمدًا لربه، ووجد حلاوةً ولذةً في كل ما يحبه ربه ويرضاه، واستأنس بربه، واستوحش من كل ما يشغله عنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ من كان اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بعد أن أنقذه الله منه كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
متفق عليه (١).
الثمرة الحادية عشرة: السعادة في الدنيا، والفوز بالجنة،والنجاة من النار في الأخرة:
فمن عرف ربه العظيم، عبده بما يحبه ويرضاه، ثم الله يثبته على دينه في الدنيا، ويسعده بالأمن والهداية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].
أما في الآخرة فيكرمه بدخول الجنة، ورؤية الله سبحانه، والقرب منه، وسماع كلامه، والفوز برضوانه، والتلذذ بنعيم الجنة، والخلود في دار المتقين، والنجاة من نار الجحيم:﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال تعالى عن أهل الجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وغير ذلك من الثمرات والحسنات، والخيرات والبركات،التي تثمرها معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
***
مختارات
