الخزانة الثانية..
• طريق العبودية:
عبادة الله ﷿ مبنيةٌ على أصلين عظيمين هما:
١ - حبٌ كامل لله ﷿.
٢ - وذلٌ تامٌ لله ﷿.
وهذان الأصلان مبنيان على أصلين عظيمين وهما:
مشاهدة منة الله، وفضله، وإحسانه، ورحمته التي تُوجب المحبة لله، ومطالعة عيب النفس والعمل الذي يُورِث الذل التام لله العزيز الجبار: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وأقرب بابٍ يدخل منه العبد إلى ربه باب الافتقار إلى ربه ﷻ، فلا يرى نفسه إلا مفلسًا، ولا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا، ولا سببًا يتعلق به، ولا وسيلة يمُنُّ بها، بل يشهد ضرورته كاملة إلى ربه ﷿، وأنه إن تخلى عنه خسر وهلك:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
• أكمل الناس عبادة:
وأكمل الناس عبادة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم أكمل الناس معرفةً بالله وبأسمائه وصفاته، وأفعاله، ودينه وشرعه، وخزائنه ووعده ووعيده، وأعظمهم حبًا لله، وتعظيمًا له، ثم زادهم الله فضلاً بإرسالهم إلى الناس، فصار لهم فضل الرسالة، وفضل العبودية الخاصة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ثم يليهم الصديقون الذين كمل تصديقهم لله ولرسوله، واستقاموا على أمره، ثم الشهداء الذين شهدوا بالحق، وبذلوا أنفسهم من أجل الحق، ثم الصالحون الذين صلحت أعمالهم، وأبواب الكريم مفتوحةٌ لمن شاء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
• حق الله على العباد:
خلق الله ﷿ الإنسان ضعيفًا فقيرًا محتاجًا إلى غيره، فهو إما أن يكون عبدًا لله، أو عبدًا لعبد الله، وعباد الله هم أتباع الأنبياء والرسل، وعبيد أهواءهم وشهواتهم هم أتباع إبليس وجنوده: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وحق الله على أهل السماوات والأرض أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، فهو وحده أهلٌ أن يُعبَّد، وأن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر؛ وذلك لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظيم نِعمه وإحسانه:﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
ومَن الذي لم يصدر منه خلاف ما خُلق له، إما عجزًا، وإما جهلًا، وإما تفريطًا، وإما تقصيرًا، فنستغفر الله ونتوب إليه من جميع الذنوب والخطايا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
لذا فلو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ لأنهم ملكه، والملك يتصرف في مماليكه كيفما يُريد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لكنه كريمٌ أوجب على نفسه لعباده ما لا يجب عليه لكمال رحمته وإثابته لمن آمن به وأطاعه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبي ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، قال: «فَقَالَ يَا مُعَاذُ! تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟ قال قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قال: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أنْ يَعْبُدُوه وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ ﷿ أنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قال قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَلا أبَشِّرُ النَّاسَ؟ قال: لا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا».
متفقٌ عليه.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النَّبي ﷺ أنه قَالَ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَا إِيَّايَ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا».
متفقٌ عليه.
• كمال العبودية:
وظيفة العبد المؤمن بين يدي ربه تقوم على خمسة أصول،وهي:
أولاً: امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، وشكر النِّعم، والاستغفار من الذنوب، والصبر على الطاعات، والمصائب، وعن المعاصي.
ومن قام بواجب هذه الخمس أسعده الله في الدنيا والآخرة:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
ثانيًا: الله ﷿ يبتلي عباده؛ ليمتحن صبرهم وعبوديتهم، لا ليهلكهم ويعذبهم، فلله على عبده عبوديةً في الضراء كما له عليه عبوديةً في السراء، وله عبوديةٌ فيما يكره الإنسان كما له عبوديةٌ فيما يحب، وأكثر الناس يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن إعطاء العبودية في المكاره، وهم متفاوتون في ذلك.
فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، ونكاح زوجته عبودية، وترك المعاصي التي ترغبها النفس من غير خوف الناس عبودية، والصبر على الجوع والأذى في سبيل الله عبودية، ولكن فرق بين العبوديتين.
فمن كان قائمًا لله بالعبوديتين في حال السراء والضراء، وحال المكروه والمحبوب، فهو من عباد الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وليس لعدوه سلطان عليه، فالله يحفظه، ولكن قد يغتاله الشيطان أحيانًا.
فإن العبد قد ابتُليَّ بالغفلة والشهوة والغضب، ودخول الشيطان على العبد من هذه الأبواب الثلاثة، وقد سلَّط الله على كل عبدٍ نفسه وهواه وشيطانه، وابتلاه هل يطيعها أم يطيع ربه؛ لتظهر منه العبودية الاختيارية: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
ثالثًا: الله ﷿ له على الإنسان أوامر، والنفس لها أوامر، والله يريد من الإنسان تكميل ما يحب من الإيمان والأعمال الصالحة، والنفس تريد تكميل ما تحب من الأموال والشهوات.
وقد ملأ الله الدنيا بمحبوباته من أنواع الطاعات والقربات، وملأ الآخرة بمحبوبات العبد من أنواع النعيم في الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
والله ﷿ يريد منا العمل للآخرة، والنفس تريد العمل للدنيا، والإيمان هو سبيل النجاة، والمصباح الذي يبصر به الحق من الباطل، والخير من الشر، وهذا محل الابتلاء في البشر: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
فالله ﷿ ابتلى كل عبد بالشهوات الحيوانية، وبالأوامر الإلهية، وبالمصائب القدرية، وأسعد الناس من فاز في هذا الابتلاء فأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، وأعطى للدين بقدر الطاقة، وصبر على أقدار الله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
• فقه العبودية:
الأرض قابلة لما يُغرس فيها من حلوٌ ومر، وأرض الفطرة رحبة قابلة لما يُغرس فيها.
فمن غرس شجرة التوحيد والإيمان والتقوى، جنى حلاوة الأبد، وجنة الخلد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ومن غرس شجرة الكفر والجهل والمعاصي، جنى شقاوة الأبد، ونار الخلد: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
واعلم أن أعظم المعارف أن تعرف ربك، وما يجب له، فتقرُّ له بالجهل في العلم، والتقصير في العمل، والعيب في النفس، والتفريط في حق الله، والظلم في معاملته: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فهذا العارف حقًا، العبد حقًا، الفقيه حقًا، إنْ عمل حسنة رآها منَّةٌ من الله عليه، فإنْ قَبِلها فمنَّةٌ ثانية، فإنْ ضاعفها فمنَّةٌ ثالثة، فإن اثاب عليها فمنَّةٌ رابعة، وإنْ ردَّها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به الملك العزيز الجبار سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإنْ عمل سيئةً رآها من تخلِّي ربه عنه، وإمساك عصمته عنه.
إنْ أَخَذه بذنوبه رأى عدله، وإنْ لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإنْ غفرها له فبمحض إحسانه وكرمه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وجميع ما في السموات والأرض كلهم عبيدٌ لله الملك الحق:﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وكل إنسان يجب أن يقر أنه عبدٌ لله كونًا وشرعًا، فأنت عبده كونًا؛ لأنه الخالق لك، والمالك لك، المدبر لأمرك:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وأنت عبده إن شاء أعطاك، وإن شاء منعك، وإن شاء أغناك، وإن شاء أفقرك، وإن شاء هداك، وإن شاء أضلَّك، وإن شاء أحياك، وإن شاء أماتك.
والله ﷿ أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
يفعل بك العزيز الرحيم ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته.
وأنت عبده شرعًا، يجب أن تعبده بما شرع، فتفعل الأوامر، وتجتنب النواهي، وتؤمن بالله؛ لتسعد في الدنيا والآخرة:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
• وجميع الخلق فقراء إلى الله، وفقرهم إليه قسمان:
الأول: فقرٌ اضطراري، وهو فقر جميع المخلوقات إلى ربها في وجودها، وإمدادها، وتدبيرها، وهدايتها، وبقائها، وما يلزمها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثاني: فقر اختياري، وهو ثمرة معرفتين:
معرفة العبد ربه، ومعرفة العبد نفسه.
فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق،ولزم باب العبودية إلى أن يلقى ربه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
• فقه الإخلاص:
الإخلاص هو أن يكون فعل العبد خالصًا لوجه الله ﷿، فليس القصد إكثار الطاعات، بل المقصود إخلاص العبادة، وحسن الطاعة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والله سبحانه رءوفٌ رحيم لم يعطك كل ما يقدر عليه، حتى يطلب منك كل ما تقدر عليه، بل أعطاك البعض،وطلب منك فعل البعض: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والعطاء الذي قسمه الله لك لم يُرد بفعله سواك، فلا تُرد بفعلك سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وكما جعل الله كل ما فعله لأجلك كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فاجعل أيها العبد جميع ما تفعله لأجله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
والمخلص هو الذي يأتي بالفعل خالصًا لوجه الله ﷿، ليس فيه رياءٌ ولا سمعة، ولا غرضٌ آخر، فلا يجعل العبد طلب الجنة مقصودًا، ولا النجاة من النار مطلوبًا، وإن كان لابد من ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
فكل عملٍ أُريد به وجه الله فقليله كثير، وما أُريد به غير وجهه فكثيره وقليله باطلٌ غير مقبول: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
***
مختارات
