القسم الأول (الخزانة الأولى)
• فقه العبادة:
العبادة هي طاعة العابد لمعبوده فيما أمر به من فعلٍ، أو ترك بالحب والتعظيم والذل له.
والذي يستحق العبادة هو الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والعبادة تطلق على شيئين:
الأول: التعبد: وهو التذلل لله ﷿ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، محبة له، وتعظيمًا له وذلًا له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
الثاني: المتعبَّد به: ويشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالدعاء، والذكر، والصلاة، والمحبة ونحوها، فالصلاة مثلًا عبادة، وفِعلها تَعَبُّد لله، فنعبد الله وحده بالتذلل له، محبة له، وتعظيمًا له، ولا نعبده إلا بما شرع: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النَّبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفقٌ عليه.
والله سبحانه خلق الجن والإنس لعبادته، كما قال سبحانه:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فإذا فعلوا ذلك سعدوا في الدنيا، وفازوا بالجنة، والقرب من ربهم يوم القيامة كما وعدهم بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
• حكمة العبادة:
امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، مبنيٌّ على الإيمان بالله ﷿، وإدامة تصور عظمة الخالق، ومالك الملك، في القلوب، وذلك بكثرة ذِكره وشكره، والتفكر في آياته ومخلوقاته:﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
ولإدامة هذا التصور ورسوخه في القلب، شرع الله لعباده مُذكِّرًا مكرَّرًا، وعملًا متجددًا، وهو العبادة، وإذا زاد الإيمان وقوي استنار القلب بالإيمان والتوحيد، وحسنت الأقوال والأعمال والأخلاق وزادت، ثم رضيَّ الرب، ثم صلحت الأحوال بالفوز بسعادة الدارين، وإذا فُقِد الإيمان أو نقص ساءت الأعمال، ثم فسدت الأحوال، ثم غضب الرب، ثم حصلت العقوبة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
• أركان العبادة:
عبادة الله ﷿ تقوم على ثلاثة أركان:
محبة الله.
ورجاؤه.
والخوف منه.
الأول: محبة الله ﷿:
فمحبة الله ﷿ أهم أركان العبادة، ومحبة الله تنشأ من معرفة الله، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة، ومعرفة نعمه وإحسانه إلى خلقه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حبه لله، وزاد تعظيمه له، وزادت طاعته له، وزاد حب الله له، فالمحبة الكاملة من الرب مقرونةٌ بالطاعة الكاملة من العبد، وكلما أطاع العبد ربه زاد حب الله له بقدر طاعته، وكلما عصى العبد ربه نقصت محبته لله بقدر معصيته، ونقصت طاعته له.
وكلما نقصت معرفة العبد بربه زادت معاصيه على طاعاته.
وإذا ضعفت محبة الله في قلب العبد بسبب كثرة معاصيه فقد لذة العبادة، واستولى عليه الشيطان، فيؤدي العبادة وهو لاهٍ غافلٍ عن ربه، ووجد اللذة بالمعصية، وأحس بثقل الطاعة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
ومما يقوي محبة الله في قلب العبد:
معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة دِينه وشرعه، ومعرفة نعم الله عليه، ودوام النظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية، وأداء الواجبات، واجتناب المحرمات، والإكثار من نوافل العبادات وبذل الجهد لأعلى كلمة الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
لهذا يجب على المسلم أن يعرف ربه حقًا، ويعبد الله بموجب هذه المعرفة، ويحب كل ما يحبه الله ويرضاه من الطاعات، ويكره كل ما يكرهه الله من المعاصي:﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
الثاني: رجاء الله تعالى:
وهو الطمع في رضوان الله وثوابه ورحمته ومغفرته وجنته.
والرجاء ثلاثة أقسام:
الأول: رجاء من أطاع الله في أن يتقبل الله عمله، وأن يثيبه عليه بالفوز بالجنة، والنجاة من النار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
الثاني: رجاء من أذنب ذنوبًا، ثم تاب منها أن يغفر الله له ذنوبه، وأن يعفو عنها، وأن يبدلها حسنات.
وهذان القسمان محمودان، مأمورٌ بهما شرعًا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
الثالث: رجاء من هو مقيمٌ على المعاصي، فيتمادى في التفريط في الواجبات، والوقوع في المحرمات، ومع ذلك يرجو رحمة الله، فهذا هو الغرور والتمني، والرجاء الكاذب المذموم ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
الثالث: الخوف من الله تعالى:
فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، والخوف المحمود هو ما حال بين العبد وبين معصية ربه العزيز الجبار، السميع البصير، العليم الخبير.
والخوف من الله إنما ينشأ من معرفة الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، وأفعاله الحميدة، ومعرفة ضعف العبد، ومعرفة وعيد الله لمن عصاه بالعقوبات، ومعرفة شدة العذاب الذي أعده الله لمن عصاه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكلما قوي إيمان العبد بربه، وقوي تصديقه بعذاب الله، وعرف العبد شدة عذاب الله لمن عصاه اشتد خوفه من الله، ومن عذاب الله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
فيجب على المسلم أن يعبد الله محبةً له، وتعظيمًا له، وطمعًا في ثوابه، وخوفًا من عقابه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• أقسام العبادة:
العبادة هي: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
والعبادة بهذا المعنى العام الشامل تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: العبادات المحضة.
وهي العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله كالدعاء والذكر، والصلاة والصوم، والخوف والرجاء، وغيرها من العبادات التي شرعها الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
وتنقسم العبادات المحضة إلى قسمين:
الأول: العبادات القلبية، وهي نوعان:
الأول: اعتقاد القلب أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ونحو ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: عمل القلب، ومن ذلك حب الله تعالى وتعظيمه، والتوكل عليه، والاستعانة به، والافتقار إليه، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه، وإخلاص العمل له، والصبر على فعل أوامره، واجتناب نواهيه، والصبر على أقداره ونحو ذلك:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
الثاني: العبادات البدنية، وهي قسمان:
الأول: العبادات القولية:
ومنها: النطق بالشهادتين، وذكر الله، وتكبيره، وتسبيحه وتحميده، وقراءة القرآن، والدعاء، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذل النصح، وتعليم العلم الشرعي ونحو ذلك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
الثاني: العبادات الفعلية كالصلاة والصوم، والحج والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، والزكاة والصدقة، والذبح والنذر ونحو ذلك من العبادات الفعلية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
القسم الثاني: العبادات غير المحضة.
وهي الأقوال والأعمال التي ليست عبادات في أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول إلى عباداتٍ لله بالنية الصالحة كما قال النبي ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
وتنقسم العبادات غير المحضة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: فِعل الواجبات والمستحبات، وذلك مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، والإصلاح بين الناس، والنفقة على الزوجة والأهل والأقارب، وإكرام الضيف، و القرض، والهدية ونحو ذلك.
فهذه إذا فعلها المسلم مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى صار ذلك عبادة يثاب عليها فاعلها: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
فالنية تجارة العلماء يربحون فيها على الله ما لا يربحه غيرهم من الناس: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
الثاني: ترك المحرمات والمكروهات ابتغاء وجه الله، مثل ترك الغيبة والنميمة، وترك الربا والزنى، والسرقة والغش، وسائر الفواحش.
فهذه إذا تركها المسلم ابتغاء وجه الله، طلبًا للثواب، وخوفًا من العقاب، وامتثالًا لأمر الله، كان ذلك الترك عبادة يثاب عليها فاعلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
الثالث: فِعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى كالبيع والشراء، والأكل والنوم وغيرها من الأعمال المباحة.
فهذه إذا فعلها المسلم ابتغاء وجه الله، صار فعله عبادةٌ يثاب عليها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
