القسم الثالث ( الخزانة الأولى)
فقه استحضار النية في الأعمال:
النيّة: هي أصل العبادات، والنية هي القصد للعمل تقربًا إلى الله وحده، وطلبًا لمرضاته وثوابه، وتنقسم النية إلى قسمين:
الأول: نية العمل: من طهارةٍ، وصلاةٍ وصدقةٍ، وصومٍ، ونحو ذلك.
الثاني: نية المعمول له؛ بإخلاص العبادة لله وحده: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
والأعمال الصالحة سواءً كانت فرضًا أو نفلًا، إنما تَعظُم وتتفاضلُ، ويكثرُ أجرها، ويزيد ثوابها، حسب ما يقوم بقلب فاعلها من الإيمان، والإخلاص، والمتابعة:﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وصاحب النية الصادقة إذا حبسَه عذرٌ عن العمل أو إتمامه، فهو ملحقٌ بالقائم به فَضلًا من اللَّهِ ونعمةً ورحمةً:﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
وقال النبي ﷺ: «إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يعملُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
أخرجه البخاري.
وقال النبي ﷺ: «إنَّ بالمَدِينَةِ أقْوامًا، ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلَّا كانُوا معكُمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ».
متفق عليه.
وقال النبي ﷺ: «مَنْ أخَذَ أمْوالَ النَّاسِ يُرِيدُ أداءَها أدَّاها اللَّهُ عنْه، ومَن أخَذَها يُرِيدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ اللَّهُ».
أخرجه البخاري.
ومن قصد بكسبه وجميع حركاته وتصرفاته القيام بحق الله، وطَلبِ مرضاته؛ انقلبت عاداته إلى عبادات، وبوركَ له في أعماله؛ ومن فاتته هذه النية الصالحة فاته خيرٌ كثير.
قال النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَنْ تَعْمَلَ عَمَلًا تبْتغِي بِهِ وجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجرْتَ عَلَيْهِ حَتَّى ما تَجْعلُه في فِيِّ امْرَأَتكَ».
متفق عليه.
وكل عبادةٍ أو معاملةٍ وقعت خلافَ أمر الله ورسوله فهي فاسدةٌ، مردودةٌ، باطلةٌ، لاغية لا يُعتدُّ بها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أمْرُنا فهو رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
فهذا الدين العظيم له ميزانان:
ميزانٌ للأعمال الباطنة، وميزانٌ للأعمال الظاهرة.
قال النبي ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى».
متفق عليه.
وقال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ مِنهُ، فَهو رَدٌّ».
متفق عليه.
فهذان الحديثان العظيمان الجامعان يدخل فيهما الدين كله؛ أصوله وفروعه، ظاهره وباطنه؛ فالأول ميزان الأعمال الباطنة، والثاني ميزان الأعمال الظاهرة، فلا يصحُّ أي عمل إلا بإخلاص العبادة لله وحده، والمتابعة لرسول الله ﵌، فمن أخلص العمل لله، متبعًا في ذلك رسول الله ﷺ، فهذا عمله صحيحٌ مقبولٌ، وصاحبه داخلٌ في قوله سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
ومن فقد الإخلاص والمتابعة أو أحدهما، فعمله فاسدٌ مردودٌ، وصاحبه داخلٌ في قوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
فاستقم كما أُمِرتَ بإخلاص العبادة لله وحده: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وأدِّ عملك مطابقًا لعمل النبي ﷺ، ولا تخالفه في شيءٍ من ذلك فتندم وتخسر: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
والدين كله منحصرٌ في أمرين:
الاستقامة.
والنصيحة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال النبي ﷺ: «الدينَ النصيحةُ، الدينَ النصيحةُ، الدينَ النصيحةُ، قالوا: لمَن يا رسولَ اللهِ؟قال: للهِ، ولكتابِه، ولرسولِه، ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم».
أخرجه مسلم فالنصيحة لله: الاعتراف والإقرار بوحدانيته، وربوبيته، وألوهيته، وتفرُّده ﷻ بجميع صفات الكمال على وجهٍ لا يشاركه فيها غيره: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والقيام بعبودية الله وحده لا شريك له، والإنابة إليه في كل وقتٍ، ومكانٍ، وحالٍ، مع لزوم التوبة والاستغفار دائمًا، لأن العبد لا بد له من التقصير والغفلة في حق الله، سواءً كان ذلك بسبب الجهل، أو الضعف، أو ترك واجبٍ، أو فعل محرمٍ، وبلزوم التوبة والاستغفار في كل حين ينجبر نقصه، ويتم عمله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأما النصيحة لكتاب الله ﷿:
فتكون بفهمه وتدبره، وتعلم ألفاظه ومعانيه، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وأما النصيحة لرسول الله ﷺ:
فتكون بالإيمان به، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا تعبد الله إلا بما شرع، وتوقيره ﷺ، ومحبته، وتقديمه في ذلك على النفس والمال والولد، واتباعه في كل ما جاء به، والاجتهاد في الاهتداء بهديه، ونشر سنته، ونصر دينه.
قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما النصيحة لأئمة المسلمين:
وهم كل من له ولاية عامة، أو خاصة؛ كالحكام، والأمراء، والقضاة، والمدراء، وغيرهم، فتكون باعتقاد ولايتهم، والسمع والطاعة لهم في غير معصية الله، وحث الناس على ذلك، وبذل ما نستطيع من إرشاد الولاة، وتنبيههم بالحكمة إلى القيام بواجبهم،وإرشادهم في كل ما ينفعهم وينفع الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وأما النصيحة لعامة المسلمين:
فبالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يحب المرء لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه،كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فمن قام بهذه الحقوق الخمسة، واستقام على ذلك؛ حصَّل على عظيم الأجور، وسلم من جميع الشرور، وفاز بجميع المحاب في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ، قالَ: «قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ».
أخرجه مسلم.
والإيمان بالله يشمل كل ما يجب اعتقاده من عقائد الإيمان، والانقياد والتسليم لله ظاهرًا وباطنًا، وما يَتْبعُ ذلك من أعمال القلوب من الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، وإرادة الخير، وكراهة الشر، وما يَتْبعُ ذلك من أعمال الجوارح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وبذلك يَكْمُل الإيمان، وتَحْصلُ الاستقامة، ويحصل الفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ [فصلت: ٦].
علاج وسوسة الشيطان:
الرحمن ﷻ ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والشيطان يوسوس لبني آدم ليخرجهم من النور إلى الظلمات، ومن الإيمان إلى الكفر، ومن التوحيد إلى الشرك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وأعظم وسوسة الشيطان في الإيمان بالله ﷿.
قال رسول الله ﷺ: «يَأْتي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فيَقولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ» متفق عليه.
وفي لفظ: «فليَقُلْ آمنْتُ باللَّه ورُسُلِه» أخرجه مسلم.
وفي لفظ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولون: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟».
أخرجه مسلم.
فإبليس عدوٌ لآدم وذريته، ومن أعظم عداوته أنه يلقي هذا السؤال الباطل في قلوب بني آدم، إما بوسوسة محضة مباشرة منه، وإما على لسان شياطين الإنس، ومنافقيهم، وملاحدتهم.
وهذا السؤال الباطل يُدْفعُ بأمورٍ ثلاثة:
الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
والثاني: الانتهاء.
والثالث: الإيمان بالله ﷿.
أما الاستعاذة؛ فالشيطان عدوٌ مبينٌ للإنسان، يوسوس في قلوب الناس، ليشككهم بربهم، والإيمان به، فمن وجد ذلك في قلبه فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فمن تعوذ بالله منه بصدق أعاذه الله منه، وطرده عنه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢)إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
وبعد الاستعاذة بالله منه ينتهي العبد، ويقف، فإن الله جعل للعقول والأفكار حدًا تنتهي إليه، كما جعل للسمع والبصر والقدرة عند الإنسان حدودًا تنتهي إليها، وتقف عندها، فجميع المخلوقات تنتهي إلى الله الخالق الذي أوجدها، وجميع النعم تنتهي إلى الله الذي أنعم بها: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
فإذا وصلت العقول إلى الله ﷻ آمنت به، وانتهت، وأذعنت للخالق الذي خلقها، إذ لا يمكن وجود هذه المخلوقات بدون خالقٍ خلقها.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله سبحانه وحده هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
فليقف العقل عند حدِّه، كما وقف البصر عند حدِّه، ووقف السمع عند حدِّه، فإن العقل مخلوقٌ لا قدرة له على ما حُجِبَ عنه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
أما الأمر الثالث في دفع وسوسة الشيطان: فهو أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله، وذلك بالنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية، وذلك يُثمر قوة الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وهذا الإيمان الصادق اليقيني يدفع جميع الشبه التي تضاده، فالحق يدفع الباطل، والإيمان يدفع الكفر، والتوحيد يدفع الشرك، واليقين يدفع الشك:﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
فهذه الأمور الثلاثة التي بيَّنها النبي ﵌ تُبطل الشبهة التي يوسوس بها الشيطان وجنوده؛ فأمر أولًا بالاستعاذة بالله من الشيطان المُلقي بهذه الشبهة، ثم أمر بالانتهاء والكفّ الذي يُنهي التسلسل في الباطل، ثم أمر بتقوية الإيمان الذي يدفع كل ما يُضاده من الباطل.
فبالاستعاذة قَطعُ السبب الداعي إلى الشر والشك، وبالانتهاء قَطعُ الشر، وإخماد ناره، وبالإيمان بالله القوي دفعُ كل معارضٍ يوسوس به الشيطان وجنوده من فتن الشبهات، وفتن الشهوات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ويسلم العبد من فتن الشبهات والشهوات: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
وإذا قامت شهادة التوحيد في القلب أنارت كل ظُلمة، وأحرقت كل شُبهة، لأنها كالشجرة الطيبة أصولها:شهادة التوحيد والإيمان، وفروعها القيام بشرائع الدين كلها، من حقوق الله، وحقوق عباده، وثمارها الثواب العاجل والآجل، وحُسن الخلق: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فقه الإيمان بالقضاء والقدر
الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، سابقه ولاحقه؛ أحد أركان الإيمان الستة الواردة في حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال النبي ﷺ: «أن تؤمِنَ باللَّهِ وملائكتِهِ ورسلِهِ وكتبِهِ واليومِ الآخرِ والقدَرِ خيرِهِ وشرِّه».
متفق عليه.
فعِلمُ الله محيطٌ بكل شيء خلقًا وتدبيرًا وتقديرًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فالله سبحانه علم جميع أفعال العباد خيرها وشرها، وعلم جميع أمورهم وأحوالهم، وعلم كل ما كان وما يكون، وما سيكون، وكتب سبحانه كل شيء في اللوح المحفوظ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٣].
وجميع أفعال الله في ملكه تجري وفق العلم المطلق، المقرون بالقدرة المطلقة، المقرونة بالمشيئة المطلقة، المقرونة بالحكمة المطلقة، المقرونة بالخير المطلق: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والله سبحانه مع خلقه للعباد وصفاتهم وأفعالهم أعطاهم قدرةً، وإرادةً، ومشيئةً تقع بها أفعالهم بحسب اختيارهم، فأقوالهم وأفعالهم تقع بمشيئتهم وقدرتهم اللتين خلقهما الله فيهم، كما قال سبحانه:﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وقد يسَّر الله كل مخلوق لما خلق له: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
فمن وجَّه وجهه لربه حبَّب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
ومن وجَّه وجهه لغير الله تولَّاه الشيطان، وولَّاه الله ما تولَّى، وخذله، ووكله إلى نفسه، فضلَّ وغوى، وليس له على ربه حجة، لأن الله أعطاه جميع الأسباب التي يقدر بها على الهداية، من العقول، والسمع، والبصر، ونزول الوحي، وإرسال الرسل، ولكنه اختار الضلال على الهدى، فلا يلومنَّ إلا نفسه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
فلا يقع في مُلك الله ﷿ شيءٌ لم يأذن به.
والله خلق الإنسان، وأعطاه حرية الاختيار، وخيَّره بأن يقوم بالحق، أو ينصرف إلى الباطل، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فالله ﷿ لم يُكره أحدًا من الإنس والجن على الفعل، وإنما أعطاه الاختيار، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وعن علي ﵁ قال: «كانَ النبيُّ ﵌ في جَنَازَةٍ، فأخَذَ شيئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ به الأرْضَ، فَقالَ: ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، أمَّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الشَّقَاءِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]».
متفق عليه.
***
مختارات

