الخزانة الثالثة..
• كمال النية:
كمال النية يكون بثلاثة أمور:
الأول: نية العبادة:
قال النبي ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
الثاني: نية الإخلاص، بأن تكون لله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثالث: نية أنه قام بالعبادة امتثالًا لأمر الله الذي يجب أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفَر، فمثلًا تنوي صلاة الظهر، وتنوي أنك تُصلي لله لا لغيره،وتستحضر أنك تُصلي امتثالًا لأمر الله حيث قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٦].
وقال ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
وهكذا.
ونية المؤمن خيرٌ من عمله، والنية لا تنفك عن الفعل.
ومقصود جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتطهيره عما سوى الله.
والقصد من تكرار الأعمال الصالحة أن يذكر القلب ربه، ثم يُحبه ويُطيعه ويُعظمه، والقلب أشرف من الجسد، ففعله أشرف من فعل الجسد: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
والجسد يأتمر بأمر القلب، فكانت النية أفضل من العمل كما قال النَّبي ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفقٌ عليه (١).
وقال النَّبي ﷺ: «أَلا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلَّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفقٌ عليه (٢).
فالإيمان تصديق وتطبيق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأعمال الجوارح من ثمرات أعمال القلوب.
• أقسام المؤمنين في النيات:
أما أقسام المؤمنين في النِّيات، فنِيَات الناس في الطاعات والعبادات أقسام:
الأول: من المسلمين من يعبد الله خوفًا من الله، ومن عذابه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
الثاني: ومنهم من يعبد الله طمعًا في ثوابه، والرغبة في الجنة،وهذان أمران مطلوبان: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثالث: ومنهم من يعبد الله؛ لأنه العظيم الذي يستحق أن يُعبد لذاته وجلاله، وجماله وعظيم إنعامه، ويعبده لِما تكرَّم به من أنواع الكرامات لهذا الإنسان في الدنيا والآخرة، ويرجو ثوابه، ويخاف من عقابه.
فهؤلاء هم أولوا الألباب المقربون: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وهؤلاء يحشرون إلى ربهم يوم القيامة كما قال سبحانه:﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
فالله مقصود، والجنة موعود: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وثواب الناس بقدر نياتهم، فمن عَبد الله؛ لأنه أهلٌ أن يُعبد، تمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وفاز بالجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ونسبة اللذة بنعيم الجنة إلى لذة النظر إلى وجه الله، كنسبة نعيم الجنة إلى وجه الله الكريم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• فقه النية:
كل عمل صالح مركبٌ من أمرين:
صورة ذلك العمل كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك.
وباطن ذلك العمل، وهي النية بأن يكون العمل خالصًا لله ﷿.
والنُّطق بالنية في جميع العبادات مُنكَر؛ لأن النية محلها القلب، والله عليمٌ بكل شيءٍ ظاهراً كان أو باطنًا، والمؤمن يتقرب إلى الله بعمله ظاهرًا وباطنًا والله عليمٌ بما يعمله العبد بين يديه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
فلا يُشرع ولا يُسن النُّطق بالنية عند الوضوء أو الصلاة أو الصوم أو غيرها، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾ [الحجرات: ١٦].
فجميع الأعمال لها أساس وهي النية، بأن يكون العمل خالصًا لله ﷿ ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والنية بين العبد وربه، فالداعي إلى الله مثلًا، والمعلم لشرع الله، ينوي إبلاغ دِين الله؛ لينال أجر البلاغ، وينوي الحصول على ثواب مجلس العلم، وأن يرجع من مجلسه مغفورً له، وينوي تكثير سواد المسلمين، والجلوس في مجالس الذِّكر، وينوي القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكذلك ينوي ربط الناس برب الناس، وتذكير المسلمين؛ ليحسنوا الظَّن برب العالمين، وينوي غرس حب الله في قلوب المؤمنين، وغرس تعظيم الله في نفوس المؤمنين، ومراقبة الناس لرب العالمين: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالعلماء هم أعظم الناس فقهًا؛ ولذلك النية تجارة العلماء فهم يربحون على الله بتعداد نياتهم في كل عمل ما لم يربح غيرهم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
• فقه الاقتداء:
كل مسلم مطلوبٌ منه أن يقتدي بالنَّبي ﷺ في خمسة أمور:
١ - في نيته وفكره.
٢ - وفي توحيده وإيمانه.
٣ - وفي أقواله الحسنة.
٤ - وفي أعماله الصالحة.
٥ - وفي أخلاقه الكريمة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وحب التقليد من طبائع النفوس، والمسلم مأمورٌ أن يُقلد في دِينه من أجمع الخلق على تزكيتهم، وهم الأنبياء والرسل كما قال الله لرسوله ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
ويقتدي خاصة بسيدهم وأفضلهم وآخرهم محمدٍ ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والنَّبي ﷺ مأمورٌ مع أمته أن يتبع ملة إبراهيم، وملة إبراهيم هي التضحيات من أجل لا إله إلا الله، تعبدًا لله، ودعوةً إلى الله، وتحمل المشاق في سبيل إعلاء كلمة الله، والصبر على كل ذلك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
وقال الله ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وإبراهيم ﷺ تبرأ من الأصنام، بل تبرأ من نفسه، حين سلَّمها للنيران توكلًا على ربه، فأنجاه الله من النار، وتبرأ من ماله حين سلَّمه للضيفان، وتبرأ من ولده حين بذله مع كمال حبه له للقربان امتثالًا لأمر ربه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠].
فأيها المسلم إن لم تقدر على متابعة إبراهيم ﷺ، فاجتهد في متابعة ولده الصبي الذي انقاد لحكم ربه مع صِغره، ومد عنقه لحكم الرؤيا بالذَّبح: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠].
فإن لم تقدر، فاتبع الموسوم بنقصان العقل والدِّين، وهي أمه هاجر أم الذَّبيح كيف تجرعت مرارة الذَّبح، والفراق، والجوع، والغربة، والوحشة، وصبرت حين تركها الخليل في جبال مكة فريدةً بلا ماءٍ ولا زاد كما قال ابراهيم ﷺ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
فأجاب الله دعوة إبراهيم، وجعل نسله سيد الأنبياء والمرسلين، وملأ حرمه بالحجاج والمعتمرين: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩].
• تداخل النيات والأفعال في الشريعة:
أولاً: في باب الطهارة:
الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع بعضها، ارتفعت جميعًا، فمن نوى بوضوئه رفع واحدٍ منها رفع الكل، ويدخل الأصغر تحت الأكبر، ومن نوى بوضوئه أو غُسله مع نية العبادة أمرًا مباحًا كالتبرد أو تعليم الوضوء أو الغُسل ففعله صحيح وثوابه بقدر ما نوى.
ومن عليه غُسلان واجبان كامرأة عليها جنابة، وقبل أن تغتسل حاضت، فهذه يكفيها غُسلٌ واحد يرفع الكل، كما قال النَّبي ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
ومن اجتمع في حقه غُسلان واجبٌ ومسنون كغسل الجنابة، والنظافة، يكفيه غُسلٌ واحد، وله ثواب الجميع.
والغُسل الواجب يُجزئ عن الوضوء الواجب، سواءً نواه أو لم ينوه، ومن قرن الوضوء بالغُسل فقد أحسن، ويكفي الغُسل الواجب عن الوضوء المسنون، والغسل المسنون يكفي عن الوضوء الواجب والمسنون.
ومن اجتمعت عليه أحداثٌ صُغرى وكبرى كفاه تيممٌ واحد إذا لم يجد الماء: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
ثانيًا: في باب الصلاة:
فمن صلى العيد سقطت عنه الجمعة إلا الإمام فتلزمه الجمعة، ومن سقطت عنه الجمعة بشهود العيد، لزمته صلاة الظهر.
ومما يجري فيه التداخل بين الصلاة الواجبة والمسنونة، التداخل بين الصلاة الواجبة وسُنَّة الوضوء، وتحية المسجد، وسُنَّة القدوم من السفر ونحو ذلك.
فيجري التداخل بين الصلوات المسنونة المقصودة لذاتها، والتي لا تقصد لذاتها، فالمقصودة لذاتها كالسُّنَّة الرَّاتبة، ولا لذاتها كركعتي الوضوء، وركعتي الطواف، وركعتي الاستخارة، فالمقصود وقوع صلاةٍ من بعد الوضوء والطواف، وقبل الاستخارة.
والسُّنن التي لا تقصد لذاتها إذا اجتمع موجبها، واختلف نوعها، فإنها تتداخل، كما لو اجتمعت تحية المسجد، وسُنَّة الوضوء، أو تحية المسجد وركعتي الطواف، أو صلاة الاستخارة، وسُنَّة الوضوء، واجتمع الكل، ففضل الله واسع،ورحمته واسعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والسُّنن التي لا تقصد لذاتها إذا تكرر موجِبها، واتحد نوعها، كتكرار الدخول للمسجد، فإن طال الفصل كرر تحية المسجد، وإلا كفاه فعلها مرةً واحدة دفعًا للحرج والمشقة.
ومن قرن في الطواف بين أكثر من أسبوع كفاه ركعتان؛ لأن المقصود إيقاع صلاةٍ بعد الطواف، وقد حصل بركعتين، والأفضل صلاة ركعتين لكل أسبوع، حِفاظًا على فضيلة صلاة المسجد الحرام، لأنهاء أفضل من مائة ألف صلاةٍ فيما سواه.
ومن أدرك الإمام راكعًا فيُستحب أن يُكبِّر للإحرام تكبيرة، وللركوع تكبيرة إن أمكن، وإن اقتصر على واحدة أجزأته بشرط أن يُكبِّر واقفًا.
وسجود سهو يتداخل سواءً اتحد نوعه أو اختلف قبل السلام أو بعده.
ثالثاً: في باب الصيام:
لا يتداخل الصوم الواجب والكفارة؛ لأن كلًا منهما مقصودٌ لذاته، والصوم الواجب والمسنون، إن كان صوم التطوع مقصودًا لذاته كستٍّ من شوال، وصوم يوم عرفة لغير حاج، وصوم يوم عاشوراء فإنه لا يتداخل، لأن كل واحد عبادة مستقلة، له وقت خاص به.
وإن كان غير مقصودٍ لذاته كالاثنين والأيام البيض، فإنه يتداخل مع الواجب.
والصوم المسنون سواءً كان مقصودًا لذاته أو لا، فإنه يتداخل كما تتداخل سُنَّة الوضوء وتحية المسجد مع الرواتب.
والتداخل: أن يجمع المسلم بين عبادتين بفعلٍ واحد ويحصل له ثوابٌ متعدد: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
رابعاً: في باب الحج:
فتجوز نية طواف الإفاضة مع الوداع؛ لأن المقصود وقوع طواف عند دخول المسجد تحيةً له كتحية المسجد.
ومن حج مُفردًا أو قارنًا وقدِم مكة، وقد ضاق عليه الوقت للوقوف، فتوجه إلى منى، ولم يتمكن من طوف القدوم، ولم يفد إلى البيت إلا آخر أيام التشريق فطاف للإفاضة، ثم سافر مباشرة، فهذا له أن ينوي بطوافه أطوفة الحج الثلاثة القدوم، والإفاضة، والوداع.
والأضحية، والعقيقة، والهدي كل منهما عبادة مستقلة، فلا تتداخل، ولا تداخل في العقائق إذا تعدد المواليد فلكل مولودٍ عقيقته؛ لأن كل عقيقةٌ عبادةٌ مستقلة لمولودٍ مُعين.
• حكم تغيير النية في الصلاة:
أما حكم تغيير النية في الصلاة، فالنية في الأصل تسبق العمل.
ومن دخل في صلاة، ثم أراد الانتقال من نيةٍ إلى نية، فله ثلاثة حالات:
الأولى: أن ينتقل من مساوٍ إلى مثله كمن دخل في صلاةٍ بنية الظهر، ثم تذكر أنه صلاها فنوى العصر، فهذا لا يصح.
الثانية: أن ينتقل من الأعلى إلى الأدنى كمن دخل في صلاة الظهر، ثم تذكر أنه صلاها، فنوى النافلة، فهذا يصح، وتقع منه نافلة.
الثالثة: أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى كمن دخل في صلاة نفل، ثم تذكر أنه لم يُصلِّ الصبح، فنوى بها صلاة الصبح، فهذا لا يصح، وتقع نافلة؛ لقول النَّبي ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
***
مختارات
