فقه التكليف (٤)
وحياة الإنسان كتاب ذو ست صفحات:
الأولى: صفحة الحياة كما قال سبحانه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)} [البقرة: ٢٨].
الثانية: صفحة العمل كما قال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)} [فصلت: ٤٦].
الثالثة: صفحة الاحتضار كما قال سبحانه: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)} [ق: ١٩].
الرابعة: صفحة البعث والحشر كما قال سبحانه: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)} [ق: ٢٠، ٢١].
الخامسة: صفحة الحساب كما قال سبحانه: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)} [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
السادسة: صفحة القرار في الجنة أو النار كما قال سبحانه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)} [الشعراء: ٩٠، ٩١].
والواجب على الإنسان أن يمسح جميع العواطف لغير الدين، عواطف حب الدنيا، وحب المال، وحب الرئاسة، وحب الجاه، حتى لا تبقى إلا عاطفة الدين عملاً به، ودعوةً إليه.
وقيمة الإنسان عند الله بما يحمل من الإيمان والأعمال الصالحة، لا بما يملك من الأموال والأشياء، وكلما ضعف الإيمان نقص الدين، فتوجه الناس إلى غير الله، وهذا بلاء عظيم.
وهذا الكون كله مملوك لربه، خاضع له، عابد له، مطيع له، من الذرة حتى الجبل، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)} [الإسراء: ٤٤].
ومن يؤمن من البشر، فأكثرهم إيمانه ممزوج بالشرك: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)} [يوسف: ١٠٦].
فالمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله.
والمشركون من اليهود قالوا عزير ابن الله.
والمشركون من النصارى قالوا المسيح ابن الله.
فأي مقولة أعظم من هذه ممن وهبهم العقول؟.
وأي افتراء وبهتان وجهل بالله فوق هذا؟.
إن الكون كله ينتفض لهذه المقولة المنكرة في حق الله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)} [مريم: ٨٨ - ٩٢].
إن الكون كله يغضب لبارئه، سماواته وأرضه، وجباله وبحاره، ويهتز كل ساكن فيه، ويرتج كل مستقر، وهو يحس بتلك الكلمة العظيمة النابية من جهلة البشر في حق الله، تصدم كيانه وفطرته، وتجافي ما وقر في ضميره، وما استقر في كيانه.
وفي وسط الغضبة الكونية على هذه الكلمة النابية في حق الله، يصدر من الرب البيان الرهيب: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)} [مريم: ٩٢، ٩٣].
والمشركون لا يرجون لقاء الله، ولا يحسبون حسابه، ولا يقيمون حياتهم على أساسه، ومن ثم لا تستشعر قلوبهم وقار الله وهيبته وجلاله، فتنطلق ألسنتهم بكلمات لا تصدر عن قلب يرجو لقاء الله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)} [الفرقان: ٢١].
إنه تطاول على مقام الله سبحانه، تطاول الجاهل المستهتر، الذي لا يحس جلال الله في نفسه، ولا يقدر الله حق قدره.
فمن هم حتى يتطاولوا هذا التطاول؟.
ومن هم إلى جوار الله العظيم الجبار المتكبر؟.
ومن هم وهم في ملك الله وخلقه كالذرة التائهة الصغيرة؟.
إنه لا قيمة لهم عند الله حتى يربطوا أنفسهم بالله، عن طريق الإيمان بالله، فيستمدوا منه قيمتهم.
لقد عظم شأنهم في نظر أنفسهم، فاستكبروا وطغوا طغيانًا كبيرًا.
وفي مقابل هؤلاء الكفار عباد الله الذين آمنوا بالله ورسوله، عباد الرحمن الذين يعرفون الرحمن، ويستحقون أن ينسبوا إليه، وأن يكونوا عباده.
هاهم أولاء بصفاتهم المميزة، مثالاً حيًا واقعًا للجماعة المسلمة التي يريدها الله ويحبها.
وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يعبأ الله بهم في الأرض، ويوجه إليهم عنايته، فالبشر كلهم أهون على الله من أن يعبأ بهم لولا أن هؤلاء فيهم، وعباد الرحمن لهم سمات وصفات:
فالسمة الأولى لعباد الرحمن، أنهم يمشون على الأرض هونًا، يمشون مشية سهلة هينة.
مشية سوية مطمئنة.
جادة قاصدة.
فيها وقار وسكينة.
وفيها جد وقوة.
وليس فيها تكلف ولا تصنع.
وليس فيها خيلاء ولا تنفج.
ولا تصعير خد.
ولا تخلع ولا ترهل.
وهم في جدهم ووقارهم لا يلتفتون إلى حماقة الحمقى.
وسفه السفهاء.
ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى.
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، لا عن ضعف ولكن عن ترفع.
ولا عن عجز ولكن عن استعلاء: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)} [الفرقان: ٦٣].
هذا نهارهم وسلوكهم مع الناس، فأما ليلهم فهو مع ربهم، واقفون بين يديه ركعًا سجدًا، يتقون الله، ويشعرون بجلاله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)} [الفرقان: ٦٤].
وهم في قيامهم وركوعهم وسجودهم، يتوجهون إلى الله في ضراعة وخشوع أن يصرف عنهم عذاب جهنم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)} [الفرقان: ٦٥].
وهم في حياتهم وأموالهم نموذج القصد والاعتدال والتوازن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)} [الفرقان: ٦٧].
فالإسراف والتقتير كلاهما مذموم.
فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير حبس للمال عن انتفاع صاحبه به، وانتفاع الجماعة من حوله.
فحبس المال يحدث أزمات واختناق، ومثله إطلاقها بغير حساب، والاعتدال سمة من سمات الإيمان.
وسمة عباد الرحمن بعد ذلك أنهم لا يشركون بالله، ويتحرجون من قتل النفس إلا بحق، ومن الزنا: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)} [الفرقان: ٦٨].
وهذه الصفات الثلاث مفرق الطريق بين الحياة العالية الغالية والحياة السافلة الرخيصة.
إنها الحياة التي يشعر الإنسان فيها بارتفاعه عن الحس الحيواني الغليظ الهابط، وسموه إلى الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله.
ومن سماتهم أنهم لا يشهدون الزور، لما في ذلك من إضاعة الحقوق، والإعانة على الظلم، ويفرون من مجالس الزور بكل صنوفه وألوانه، ترفعًا منهم عن شهود مثل هذه المجالس القذرة.
وهم كذلك يصونون أنفسهم وألسنتهم عن اللغو والرفث والهذر، ويوفرون أوقاتهم لما كلفهم الله به: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)} [الفرقان: ٧٢].
ومن سماتهم أنهم سريعوا التذكر إذا ذكروا، قريبو الاعتبار إذا وعظوا، يتأملون آيات الله وما فيها من صدق: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)} [الفرقان: ٧٣].
مختارات

