فقه الجهاد في سبيل الله (٤)
وأصناف الخلق خمسة:
المتصدقون.
والصديقون.
والشهداء.
والمقتصدون.
والكفار.
فالمتصدقون هم المؤمنون الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، وبذلوا أموالهم في طرق الخيرات، وجلّ عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خاصة بذل المال في سبيل الله، فهؤلاء يضاعف لهم الأجر، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ولهم الجنة يوم القيامة كما قال سبحانه: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)} [الحديد: ١٨].
والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان، والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، فمرتبتهم دون مرتبة الأنبياء، وفوق مرتبة عموم المؤمنين.
والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فاستشهدوا في سبيل الله.
والمقتصدون هم الذين أدوا الواجبات، وتركوا المحرمات، إلا أنه حصل منهم تقصير ببعض حقوق الله، وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم إلى الجنة، وإن حصل لهم عقوبة على التقصير.
والكفار: هم الذين كفروا بالله، وكذبوا برسله وآياته، ومآلهم النار.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)} [الحديد: ١٩].
والجهاد في أول الإسلام كان للدعوة إلى الله حيث لا قتال، بل دعوة إلى الله كما قال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥٢].
ففي مكة قيل للمسلمين في أول الإسلام كفوا أيديكم كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: ٧٧].
وفي المدينة بعد الهجرة كان جهاد المنافقين باللسان كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)} [التحريم: ٩].
ثم كان الجهاد بالسيف لما عز الإسلام وأوذي المسلمون كما قال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)} [الحج: ٣٩].
وكان الإذن بالقتال أولاً لمن آذى المسلمين وقاتلهم كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)} [البقرة: ١٩٠].
ثم أذن الله للمسلمين بقتال المشركين كافة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)} [التوبة: ٣٦].
وقال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)} [الأنفال: ٣٩].
والسلام الذي يدعو إليه الإسلام يقوم على أمرين:
الأول: أن تنقطع الفتن التي تلاحق المسلمين في كل أرض.
الثاني: أن يكون الدين كله لله.
وإذا قوي الإيمان سهل على العبد امتثال أوامر الله كلها، وتلذذ بمباشرتها.
فإذا اجتمع للعبد قوة الإيمان مع قوة البدن فذلك الذي يحبه الله في ميدان الجهاد.
فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.
والرجل الشجاع يفتك بالعدو ويمزق صفوفه، فإن جرح فإنه لا يقوم له شيء فتراه بعدها هائجاً مقداماً كالأسد إذا جرح فإنه لا يطاق، ولا يقف له شيء.
أما الرجل الضعيف في إيمانه وبدنه فلا إقدام له، فإن جرح ولى هارباً والجراحات في أكتافه، فلا هو في الصف مستقيماً، ولا عند الجراحة صابراً، وذلك ما لا يحبه الله بل يبغضه ويسخطه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)} [الأنفال: ١٥، ١٦].
والمجاهد في سبيل الله له حالات:
فإما أن يقصد دفع العدو.
وذلك إذا كان المجاهد مطلوباً والعدو طالباً.
وقد يقصد الظفر بالعدو ابتداء إذا كان طالباً والعدو مطلوباً.
وقد يقصد كلا الأمرين.
والأقسام الثلاثة المؤمن مأمور فيها بالجهاد في سبيل الله.
وجهاد الدفع أشد وأصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه دفع الصائل، ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه، لكن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة، ودفع الصائل على النفس والمال مباح ورخصة، فإن قتل فيه فهو شهيد.
فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً، ولهذا يتعين على كل أحد فلا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعاً وعقلاً.
وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين الذين يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وأما الجهاد الذي يكون فيه المسلم طالباً مطلوباً، فهذا يقصده خيار الناس لإعلاء كلمة الله ودينه، ويقصده أواسطهم للدفع ومحبة الظفر.
وقد بعث الله عزَّ وجلَّ رسوله بالهدى ودين الحق فدعا إلى الله، وأمره الله
سبحانه بجدال الكفار بالتي هي أحسن، وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة، وبهذا قام الدين، وإنما جعل السيف ناصراً للحجة.
وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جدال الكفار على اختلاف مللهم إلى أن توفي، وأصحابه قاموا بذلك من بعده، وكل ذلك من أجل إعلاء كلمة الله كما قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)} [النحل: ١٢٥].
وقد أقام الله سبحانه سوق الجهاد في هذه الدار بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان، واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فيقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون، وأخبر أن ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه وهي التوراة والإنجيل والقرآن كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)} [التوبة: ١١١].
وقد وصف الله هؤلاء المجاهدين الذين اشتراهم بأحسن الصفات فقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)} [التوبة: ١١٢].
ولم يسلط الله عزَّ وجلَّ هذا العدو وهو الشيطان على عبده المؤمن الذي هو أحب المخلوقات إليه إلا لأن الجهاد أحب شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجات، وأقربهم إليه وسيلة.
والجهاد بذل الجهد في قتال الكفار، والدعوة إلى الدين الحق، ومجاهدة النفس والشيطان والفساق.
فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها.
وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات.
وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب.
وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب.
وحق الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه، وألا يخاف في الله لومة لائم.
وأقسام الجهاد أربعة:
جهاد النفس.
وجهاد الشيطان.
وجهاد الكفار.
وجهاد المنافقين.
وعدو الإنسان الداخلي هو النفس، وعدو الإنسان الخارجي الكفار والمنافقون، ولا يمكن جهادهما إلا بجهاد الشيطان والتصدي له، وذلك بدفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات.
وجهاد الكفار والمنافقين مراتبه أربع:
بالقلب.
واللسان.
والمال.
والنفس.
وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
وجهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات على ثلاث مراتب:
جهاد باليد إذا قدر.
فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١).
ومن جاهد نفسه وشيطانه وعدوه الكافر والمنافق فإنما يجاهد نفسه؛ لأن نفعه راجع إليه، وثمرته عائدة إليه، والله غني عن العالمين كما قال سبحانه: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)} [العنكبوت: ٦].
وجميع الأوامر والنواهي يحتاج فيها العبد إلى جهاد؛ لأن نفسه تتثاقل بطبعها عن الخير، وشيطانه ينهاه عنه، وعدوه الكافر يمنعه من إقامة دينه كما ينبغي.
فعلى المسلمين أن يتقوا الله، ويحذروا من سخطه وغضبه، ويبتغوا إليه الوسيلة بطاعته، وحسن عبادته، والتقرب إليه، ويجاهدوا في سبيله لنصرة دينه، وإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته لتحصل لهم السعادة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)} [المائدة: ٣٥].
وللمجاهدين في سبيل الله أجر عظيم كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ -أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري (٢).
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» أخرجه البخاري (٣).
فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، وهم الأعلون في الدنيا والآخرة.
وجهاد أعداء الله في الخارج فرع على جهاد العبد نفسه في ذات الله، فجهاد النفس مقدم على جهاد العدو في الخارج وأصل له.
فما لم يجاهد العبد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج.
إذ كيف يمكنه جهاد عدوه وكسره، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه.
فالنفس والكفار عدوان امتحن الله العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده وهو الشيطان، فهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذل ويرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ، وفوت اللذات والمشتهيات.
وجنس الجهاد فرض عين:
إما بالقلب.
وإما باللسان.
وإما بالمال.
وإما باليد.
فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، كل أحد بحسبه كما قال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥٢].
فهذا أعظم الجهاد، وهو جهاد الدعوة وتبليغ الدين إلى الناس.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بأن نجاهد في الله حق جهاده كما قال سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: ٧٨].
وأمرنا كذلك أن نتقيه حق تقاته كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)} [آل عمران: ١٠٢].
وحق تقاته، وحق جهاده، هو ما يطيقه كل عبد في نفسه.
وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز، والعلم والجهل، والغنى والفقر.
فحق التقوى، وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء آخر.
فما جعل الله على أحد في الدين من حرج، بل جعله واسعاً يسع كل أحد، كما جعل رزقه يسع كل حي، فكلف العبد بما يسعه، ورزقه ما يحتاجه، وأغناه من فضله، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما.
فاتقوا الله حق تقاته، وجاهدوا في الله حق جهاده: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
وإذا ترك المسلمون الجهاد في سبيل الله ابتلاهم الله بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو واقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم، وألَّف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم.
وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض كما قال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)} [التوبة: ٣٨،٣٩].
والعذاب قد يكون من عند الله مباشرة، وقد يكون بأيدي العباد كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)} [الأنعام: ٦٥].
وأعظم ميادين الإصلاح والتوجيه ثلاثة:
ميدان الدعوة.
وميدان التعليم.
وميدان الجهاد في سبيل الله.
والكفار والشياطين والطغاة أشد ما تكون عليهم إذا كنت فيها، أو في واحد منها؛ لأنه بالدعوة تنزل الهداية، وبالعلم يزول الجهل، وبالجهاد يزول الباطل.
وبهذه الثلاثة يكون الدين كله لله، ويُعبد الله الذي يستحق العبادة، ويزول حكم أهل الباطل من الأرض.
(١) أخرجه مسلم برقم (٤٩).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٢٧٩٠).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢).
مختارات
