فقه الهجرة والنصرة (١)
قال الله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)} [النساء: ١٠٠].
وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)} [الأنفال: ٧٤].
الهجرة في سبيل الله ضربان:
هجرة إلى الله ورسوله بالقلب.
وهجرة إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالبدن، فالله عزَّ وجلَّ غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لعبوديته، واختصهم بنعمه، وفضلهم على سائر خلقه.
ولا تزال هذه الشجرة تخرج ثمرها كل وقت بإذن ربها من طيب القول، وصالح العمل.
فلكل واحد من هؤلاء في كل وقت هجرتان:
هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية، والتوكل والإنابة والتسليم، والتفويض والافتقار، والخوف والرجاء.
وهجرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون جميع حركات العبد وسكناته موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته.
واتخذ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحده دليله، وإمامه، وقدوته، وقائده، وسائقه.
فوحد الله بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه، وأفرد رسوله بمتابعته والاقتداء به، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، فهذه الهجرة بالقلوب.
«فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» متفق عليه (١).
أما الهجرة بالأبدان، فهي الهجرة في سبيل الله من بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان، ومن قوم إلى قوم، حين يشتد عليه الأذى، ويحيط به الظلم، ولا يتمكن من إظهار دينه، فيهاجر إلى بلد يأمن فيه على نفسه، ويتمكن من إظهار دينه، والعمل بشرعه.
فالهجرة في سبيل الله ليست هجرة للثراء، أو هجرة للنجاة من المتاعب، أو هجرة لتكميل اللذات والشهوات، أو هجرة لأي عرض من أعراض الدنيا الفانية.
ومن يهاجر هذه الهجرة في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً لأعداء الله، حيث يتمكن من إقامة دين الله، وجهاد أعداء الله ومراغمتهم.
كما يجد سعة وفسحة، فلا تضيق به الأرض، ولا يعدم الحيلة والوسيلة للنجاة والرزق والحياة.
ولكن ضعف النفس وحرصها وشحها يخيل إليها أن وسائل الحياة والرزق مرهونة بأرض، ومقيدة بظروف، لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلاً.
وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق، وأسباب الحياة، وأسباب النجاة، هو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم، وتسكت على الفتنة في الدين، ثم تتعرض لذلك المصير البائس، مصير الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)} [النساء: ٩٧ - ٩٩].
فالهجرة عند حصول الأذى والظلم من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر؛ لما في تركها من تكثير سواد الكفار، وفتنة المؤمنين وظلمهم، وتفويت الجهاد مع المؤمنين، وربما ظاهر الكفار على المؤمنين، ولا يستثنى من ذلك إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين لا قدرة لهم على الهجرة، ولا يهتدون سبيلاً، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم ويعذرهم لعدم قدرتهم، والله تبارك وتعالى يعد كل من يهاجر في سبيل الله أنه سيجد في الأرض منطلقاً، وسيجد فيها سعة، وسيجد الله معه في كل مكان يذهب إليه، يحييه، ويرزقه، وينجيه، ويحفظه.
وقد ضمن الله الأجر لكل من هاجر إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت قبل الوصول إلى غايته بقتل أو غيره كما قال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)} [النساء: ١٠٠].
يوفيه الله أجره كله:
أجر الهجرة.
وأجر الوصول إلى دار الإسلام.
وأجر الحياة في دار الإسلام.
فماذا بعد ضمان الله من ضمان؟.
ومع ضمان الأجر كاملاً التلويح بالمغفرة للذنوب، والرحمة في الحساب، وكان الله غفوراً رحيماً.
إنها صفقة رابحة دون شك، يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى في الهجرة.
والموت هو الموت لا يتقدم ولا يتأخر، ولا علاقة له بهجرة أو إقامة، ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده، ولخسر الصفقة الرابحة فلا أجر، ولا مغفرة، ولا رحمة، بل هناك الملائكة تتوفاه ظالماً لنفسه.
والذين هاجروا من ديارهم وأموالهم، وتعروا عما يملكون، وعما يحبون من أجل الله، وتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن.
هؤلاء يرجون في الآخرة عوضاً عن كل ما خلفوا.
وكل ما تركوا.
وقد عانوا الظلم وفارقوه: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)} [النحل: ٤١ - ٤٢].
فذكر لهم سبحانه ثوابين:
ثواباً عاجلاً في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهني الذي رأوه عياناً بعدما هاجروا وانتصروا على أعدائهم وفتحوا البلدان.
والأجر الآخر أكبر وأعظم وأدوم، ويحصل عليه المؤمنون في الجنة في الآخرة كما قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)} [التوبة: ٢٠ - ٢٢].
إن الهجرة في سبيل الله تجرد من كل ما تهفو إليه النفس، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه من الأهل والأولاد، والأموال والديار، وسائر أعراض الحياة الدنيا، وإيثار العقيدة على هذا كله، ابتغاء رضوان الله، وتطلعاً إلى ما عنده، هو خير مما في الأرض جميعاً.
فالذين جمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأهل والأموال والأوطان، طلباً لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله، فماذا أعد الله لهؤلاء؟.
وبماذا وعدهم؟.
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)} [آل عمران: ١٩٥].
والإيمان والهجرة والجهاد، هذه الثلاثة هي عنوان سعادة العبد، وقطب رحي العبودية، وبها يُعرف ما مع العبد من الربح والخسران.
فأما الإيمان فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار.
وهو الذي إذا كان مع العبد قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل منه صرف ولا عدل، ولا فرض ولا نفل.
وأما الهجرة فهي مفارقة المحبوب المألوف من أجل رضا الله تعالى.
فيترك المهاجر وطنه وأمواله، وأهله وخلانه تقرباً إلى الله، ونصرة لدينه.
وأما الجهاد فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان وعبدة الأوثان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر لتوسيع دائرة الإسلام، وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين، ويكون باللسان والسنان.
فمن قام بهذه الثلاثة على مشقتها كان بغيرها أشد قياماً، فجدير بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله؛ لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)} [البقرة: ٢١٨].
والهجرة كانت قبل فتح مكة، أما بعد فتح مكة فلم تعد هجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت دار إسلام، فمن جاهد في سبيل الله وعمل بدينه كان له حكم الهجرة وكان له ثوابها كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» متفق عليه (٢).
ويبقى حكم الهجرة سارياً من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)} [الحج: ٥٨، ٥٩].
فقد خرج هؤلاء من ديارهم وأموالهم في سبيل الله، مستعدين لكل مصير، وضحوا بكل أعراض الحياة ابتغاء رضوان الله، ونصر دينه، فتكفل سبحانه لهم بالعوض الكريم عما فقدوه، وهو الرزق الحسن، وهو رزق أكرم وأجزل من كل ما تركوا.
وقد خرجوا مخرجاً يرضي الله، فتعهد لهم بأن يدخلهم مدخلاً يرضونه، فييسر لهم دخول الديار التي قصدوها، ويفتح لهم البلدان، ويمكنهم من الاستيلاء على أموالها وخيراتها عوضاً عما فقدوه، وهذا ما حصل للمهاجرين السابقين، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم الجنة، والله سبحانه العليم بما وقع عليهم من ظلم ومن أذى، وبما يرضي نفوسهم ويعوضها، العليم بجميع الأمور ظاهرها وباطنها، الحليم الذي يعصيه الخلائق ويبارزونه بالعظائم، وهو لا يعاجلهم بالعقوبة مع كمال قدرته وعلمه، بل يواصل لهم رزقه، ويسدي إليهم فضله، حليم يمهل ثم يوفي الظالم والمظلوم الجزاء الأوفى.
إنه إذا اشتد الأذى على المؤمنين، وفُتنوا في دينهم، ولم يملكوا أن يعبدوا الله، فعليهم أن ينجوا بدينهم بالهجرة إلى أرض الله الواسعة.
وما دامت الأرض كلها لله فأحب بقعة منها هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه، وإظهار شعائر دينه، فليهاجروا إليها: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)} [العنكبوت: ٥٦].
وكل نفس ذائقة الموت، والله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، فلا داعي للخوف من خطر الهجرة، فالآجال مقدرة: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)} [العنكبوت: ٥٧].
وهؤلاء المهاجرون في سبيل الله فراراً بدينهم مهاجرون إلى الله في أرضه الواسعة، من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وهم عائدون إليه في يوم القيامة، وهم عباده الذين يؤويهم إليه في الدنيا والآخرة، فلماذا الخوف والقلق؟.
ومع هذا فالله الكريم لا يدعهم إلى هذا الإيواء وحده، فإذا فارقوا وطنهم فلهم في الأرض سعة، وإذا فارقوا الدنيا فلهم في الجنة عوض أعظم وأدوم، فليصبروا على ما ينالهم، وليتوكلوا على الله، ويحسنوا الظن به، فهو مولاهم الذي سيحقق لهم ما وعدهم به في الدنيا والآخرة: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)} [العنكبوت: ٥٨، ٥٩].
ولا داعي كذلك لقلق المهاجرين على الرزق بعد مغادرة الوطن والمال ومجال العمل، وأسباب الرزق المعلومة، فإن رزق الإنسان يطلبه كما يطلبه أجله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)} [العنكبوت: ٦٠].
فالله تبارك وتعالى قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم قويهم وضعيفهم، قادرهم وعاجزهم، فكم من دابة في الأرض، وعلى ظهر الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل، لا تحمل رزقها ولا تدخره، ولا يزال الله يسخر لها الرزق في كل وقت بوقته.
فالله يرزق هؤلاء الدواب وإياكم، فكلكم عيال الله، القائم برزقكم كما قام بخلقكم وتدبيركم، وهو السميع لأقوالكم، ودعائكم، العليم بأحوالكم، فلا تخفى عليه خافية، ولا تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافية عليه.
وكيف يقلق المؤمن على الرزق عند الهجرة، وهو يرى مليارات الدواب تدب على وجه الأرض، وهي لا تحصل رزقها، ولا تجمعه، ولا تحمله، ولا تهتم به، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، ولا كيف تحتفظ به لنفسها، ومع هذا فإن الله يرزقها ولا يدعها تموت جوعاً سواء كانت على ظهر الأرض، أو في قعر البحار، أو في أعالي الجبال.
فكذلك الله هو الذي يرزق الناس حيثما كانوا، وإن خيل إليهم أنهم يخلقون رزقهم ويجمعونه، فالله الذي وهبهم وسيلة الرزق وأسبابه، وهذه الهبة ذاتها رزق من الله.
فلا مجال للقلق على الرزق عند الهجرة، فهم عباد الله مهاجرون إلى أرض الله الواسعة من أجل الله، والله يرزقهم حيث كانوا كما يرزق كل دابة وهي لا تحمل رزقها، ولكن الله يرزقها ولا يدعها.
ولا هجرة بعد الفتح من مكة إلى المدينة لأنها صارت دار إسلام، ولا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٤)، ومسلم برقم (١٩٠٧)، واللفظ له.
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٧٨٣)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٣٥٣).
مختارات
