الخزانة العاشرة..
حكم مناصحة ولاة الأمر:
يجب على المسلم مناصحة ولاة الأمر، لأن الدين النصيحة، وتعظم النصيحة، ويكثر ثوابها، بقدر ما يحصل بسببها من خيرٍ، ودفع شر، كمناصحة ولاة الأمر الذين تخفى عليهم كثير من الأمور.
فيجب على المسلم إذا دخل على ولاة الأمور، من الحكام والأمراء والوزراء وغيرهم أن ينصح لهم، ويبين الحقيقة والواقع، سواء كان الناس على استقامة، أو على اعوجاج، ولا يجوز غش ولاة الأمر بالكذب عليهم، كأن يقول لهم:الناس بخير، الناس في أمن، الناس في رغد من العيش، وهو كاذب، فهذا حرام وخداع لولاة الأمر وخداع للأمة، لأنه كذب خلاف الواقع، ومن فعل هذا فهو عاصٍ غادر خائن كذاب: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
فيجب على المسلم الصادق أن ينصح لله ورسوله ولكتابة ولأئمة المسلمين وعامتهم، ويحذر من النفاق والمداهنة، وليس هذا النصح والبيان من الغيبة، لأنه من أجل النصح والإصلاح، لا من أجل الهوى والإفساد.
قال رسول الله ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
أخرجه مسلم.
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
عقوبة الرياء:
من عمل عملًا صالحًا، ليراه الناس، ويمدحوه عليه، فإن الله يرائي به، ويبين عيبه للناس، ويفضحه.
ومن سمَّع فقال قولًا يتعبد به لله من علم أو ذكر، ورفع صوته به؛ ليقال فلان كثير الذكر، كثير القراءة، فهذا يُسمِّع الله به، فيفضحه ويكشف أمره، ويبين عيبه للناس، فالمرائي مهما اختفى وأخفى، فلابد أن يتبين أمره، لأن الله تعالى تكفل بهذا، فيفضحه ويكشف أمره في الدنيا والآخرة: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وعن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِه».
متفق عليه.
حكم تعلم العلم الشرعي:
تعلم العلم الشرعي من أعظم العبادات، لما فيه من النفع العظيم له ولغيره: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وكل علم يُبتغى به وجه الله، فهو عبادة مندوبٌ إليها، وفيه أجر كبير، ومن طلب العلم الشرعي لا يريد به إلا أن ينال عرضًا من الدنيا، لم يجد عُرف الجنة أي رائحتها: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وأما العلوم التي لا يبتغي بها وجه الله من علوم الدنيا كعلم الحساب، والهندسة والبناء، فلا شيء على الإنسان أن يتعلمها، لينال بها عرضًا من الدنيا، ليكون مصدر رزقه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
فهذه العلوم مما يعين الناس على تحقيق مصالحهم الدنيوية.
ومن تعلم العلم الشرعي، لينال الشهادة العالية، لينال بها المرتبة والوظيفة فقط، فهذا أراد عرضًا من الدنيا، وإن أراد بذلك أن يتبوأ منصبًا، لينفع الناس، ليكون مدرسًا أو مديرًا، فهذا خير لا بأس به، لأن نيته طيبة، وإن كان يعطى مقابل شهادته وظيفة، لأن الناس اليوم يقدرون الإنسان بشهادته لا بعلمه.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ».
متفق عليه.
وهذه العلوم الدنيوية تعلمها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وذلك لحاجة المسلمين إليها، وينبغي ألا تشغل الإنسان هذه العلوم الدنيوية عن العلوم الأخروية والأعمال الصالحة، كما قال سبحانه:﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦ - ٧].
فعلى المسلم والمسلمة واجبات يومية لابد له من أدائها،والقيام بها وهي: أولاً: عبادة الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ثانيًا: الدعوة إلى الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ثالثًا: تعليم القرآن والسنة، لمن عنده قدرة على ذلك، كما قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
رابعًا: الإحسان إلى الناس، كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
حكم النظر إلى المرأة الأجنبية:
النظر إلى النساء الأجنبيات محرم، وهو سهم من سهام إبليس، يوقع الإنسان في الزنا، ويخطو به إلى الفواحش، والنساء حبائل شيطان، وكل إنسان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، والله عليم بالمنظور والمستور، ويجازي من فعل ذلك بحسب ذلك في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ».
متفق عليه.
حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي:
يجب على المرأة أن تغض بصرها عمن ليس بمحرم لها، ويجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي، لكن بغير شهوة، ولا استمتاع أو تلذذ، بل يكون نظرًا عاديًا كما يحصل في الطريق، وعند البيع والشراء، وعند سؤال العالم، وعند الطواف ونحو ذلك.
أما الرجل فيحرم عليه أن ينظر إلى المرأة الأجنبية نظر شهوة، وللطبيب أن ينظر إلى المرأة عند الحاجة لعلاجٍ ونحوه.
حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية:
المرأة الأجنبية هي التي ليس بينك وبينها محرم مثل بنت العم، بنت الخال، وبنت العمة، وبنت الخالة، وزوجة الأخ والعم والخال وما أشبه ذلك.
والخلوة بالمرأة الأجنبية حرام لا يجوز، سواء كانت في البيت أو الدكان أو السيارة أو العمل.
قال النبي ﷺ «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأة إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا».
أخرجه الترمذي.
وإذا أراد الرجل منها شيئًا سألها من وراء حجاب، لئلا تحصل الخلوة.
ودخول أقارب الزوج إلى بيت الزوج أخطر من دخول الأجانب، لأن هؤلاء يدخلون باعتبارهم أقارب فلا يستنكرهم أحد، ولا يشك فيهم أحد، ثم تقع الفتنة بهذا الدخول، وقد حذر النبي ﷺ من دخول حمو الزوج على زوجته، وحمو الزوج هم أقاربه كالأخ، والعم، والخال وغيرهم من الحواشي، فهؤلاء ليسوا بمحارم، فيحرم عليهم الخلوة بمرأة الرجل.
ويحرم خلوة السائقين بزوجة الرجل، أو بنته، أو أي امرأة أجنبية من السائق، والخلوة في السيارة أشد من الخلوة في البيت، لأنه يخلو بها، ويذهب بها، إلى ما شاء، فيقع ما حرم الله من الفاحشة، وقد ابتليت الأمة بمثل هذا، فنسأل الله أن يحفظ الجميع: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ [الأحزاب: ٥٣ - ٥٥].
وقال النبي ﷺ: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
متفق عليه.
وقال النبي ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ قَال: الْحَمْوُ المَوتُ».
متفق عليه.
حكم تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال:
خلق الله ﷿ الرجال والنساء، ومَّيز بعضهم عن بعض في الخلق والقوة واللباس، فمن حاول أن يجعل النساء كالرجال أو عكسه، فقد ضاد الله في قدره وشرعه، وحاد الله في قدره وشرعه، لأن الله له حكمة فيما خلق وشرع وقدر، ولهذا جاءت النصوص الشرعية بلعن من تشبه من النساء بالرجال وعكسه في أي شيء، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فمن فعل ذلك من الرجال أو النساء فهو ملعون على لسان رسول الله ﷺ.
وذلك يشمل التشبه بالأقوال، واللباس، والهيئات، والمشيات ونحو ذلك.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ المُتَشَبهِينَ مِنَ الرّجالِ بالنّسَاءِ، وَالمُتشبِهاتِ مِنْ النّسَاءِ بالرّجَالْ».
أخرجه البخاري.
حكم التشبه بالشيطان والكفار:
يحرم على المسلم والمسلمة التشبه بالشيطان والكفار؛ لأن الشيطان رأس الكفر، والكفار هم أولياء الشيطان وأتباعه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والتشبه بالشيطان أو الكفار، أن يعمل الإنسان أعمالهم، أو يتخلق بأخلاقهم، أو يلبس لباسهم، سواء قصد التشبه أو لم يقصد.
فيحرم على المسلم أن يأكل أو يشرب بشماله، أو يأخذ أو يعطي بشماله، لما فيه من التشبه بالشيطان عدونا وعدو الله ﷿، وعدو رسله، ولا يحل له فعل ذلك إلا لضرورة كأن تكون اليد اليمنى مشلولة أو مكسورة ونحو ذلك.
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ».
أخرجه مسلم.
وقال النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
أخرجه أبو داود وأحمد.
وأقل درجاته التحريم.
حكم التنجيم:
المُنَجِّمُون هم الذين يمتهنون علم النجوم للاستدلال به.
وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: جائز لا بأس به، وهو ما يسمى بعلم سير النجوم، يُستدل به على المكان والزمان، وعلى الفصول، وعلى طول النهار والليل، وقصرهما؛ فهذا لا بأس به، لأن الناس يهتدون به لمصالحهم الدنيوية، والدينية، ومن ذلك علم جهات النجوم كالقطب الشمالي الذي يسمى الجَدْي يُستدل به في أي مكان على الجهات، وعلى القبلة في البر والبحر والجو.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ٣]
وقد خلق الله ﷿ النجوم لثلاث:
زينة للسماء كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: ٥].
الثانية: أنها رجومًا للشياطين.
الثالثة: علاماتٍ يُهتَدَى بها: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ٣]
القسم الثاني: مُحرَّم، وهو علم التأثير، بأن يعتقد أن ما حصل في الأرض من حوادث سببه طلوع النجم الفلاني،كما كانوا يقولون في الجاهلية: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فهذا محرم.
لأن النجوم و غيرها لا دخل لها فيما يحدث في الكون،وإنما يقع كل شيء بقضاء الله وقدره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
و قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
حكم التَّطّيُّر:
التطير هو التشاؤم بمرئيٍ أو مسموعٍ، أو زمانٍ أو مكانٍ أو غيرها.
وسمي تطيرًا، لأن العرب يتشاءمون في الجاهلية بالطيور، فغلب الاسم على كل تشاؤم، فمن العرب من كان يتشاءم بالطير إذا طار يسارًا أو رجع إليه، و يتفاءل إذا طار يمينًا أو إلى الأمام.
ومنهم من يتشاءم بنوع الطير كالغراب والبوم ونحوهما.
ومنهم من يتشاءم بالزمان كالزواج في شوال أو السفر يوم الثلاثاء والأربعاء، ومنهم من يتشاءم بشهر صفر، وهذا كله محرم لا يجوز، ولا دخل لهذه الأشياء في قدر الله.
ولا يجوز أن نعالج البدعة ببدعة؛ فنقول: شوال الخير، أو صفر الخير مثلًا؛ لأن البدعة تُزال بالسُّنَّة فقط.
ومن أصابه شيءٌ من التطير والتشاؤم فليعرض عنه وليقل:اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.
حكم سَبِّ الريح:
الرياح من آيات الله العظيمة في إرسالها، وتصريفها، وكيفيتها، فلا يقدر أحدٌ أن يُصَرِّف هذه الرياح إلا الله ﷿وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والريح تنقسم إلى قسمين:
الأول: ريحٌ عادية لا تُخيف، ولا يُسَن لها ذكرٌ معين.
الثاني: ريحٌ عاصفة شديدة، فإذا عصفت هذه الريح فلا يجوز سَبُّها، لأن الذي خلقها وأرسلها هو الله، ومن سَبَّها فقد سبَّ الله الذي أرسلها.
ولكي يحصل للإنسان خير الريح، ويزول عنه شرها، يُسَنُ للمسلم أن يدعو بهذا الدعاء حين تعصف، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».
أخرجه مسلم.
والرياح خلقها الله ﷿ وأرسلها لحكمٍ عظيمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
وقال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ».
أخرجه الترمذي وأحمد.
حكم الحديث بعد صلاة العشاء الآخرة:
الحديث بعدها ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: حديث محرم؛ كالحديث في الغيبة، والنميمة، والقيل والقال، وقول الزور، والاستماع إلى اللهو، والغناء، ومشاهدة ما لا يحل من الأفلام وغيرها، فهذا حرامٌ في كل وقت، ويزداد إثمًا وكراهةً وتحريمًا إذا كان بعد العشاء الآخرة، لأنه في وقتٍ يُكرَه فيه الكلام المباح، فكيف بالمحرم، والمكروه؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: حديث مباح؛ ليس محرمًا ولا مكروهًا ولا مندوبًا، وهو كلام فعله وتركه سواء، فهذا أكثر كلام الناس، وكان النبي ﷺ يكرهه بعد صلاة العشاء، لأنه يطول به المجلس، ثم يتأخر نومه، فيكسل عن قيام الليل، وصلاة الفجر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا».
متفق عليه.
الثالث: حديث مُستحب؛ كالحديث في الخير، كمذاكرة العلم حفظًا ومطالعة، وحكايات الصالحين، ومكارم الأخلاق، والحديث مع الضيف، وصاحب الحاجة، والحديث مع الأهل، ليؤلف قلوبهم، ويدخل السرور عليهم، فهذا جائز لا كراهةً فيه، بل هو مستحب لما يحصل به من الخير، وكذلك الحديث لعذرٍ وعارضٍ لا كراهة فيه، بل هو مستحب، كما كان النبي ﷺ يُحَدِّث أصحابه بعد صلاة العشاء وينصحهم، ويسمُر أحيانًا مع بعض أصحابه.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺيَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا.
أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح.
وَعَنِ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».
متفق عليه.
***
مختارات
