القسم الثالث (الخزانة الأولى)
حكمة العالِم:
ينبغي للعالِم الذي يُعلِّم الناس الخير، إذا ذكر لهم الأبواب الممنوعة، أن يفتح لهم الأبواب الجائزة، حتى يخرج الناس من هذا إلى هذا، ويُشتغل الناس بالحلال عن الحرام، وهذه طريقة القرآن والسُّنَّة في الحلال والحرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦].
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ».
أخرجه البخاري.
حكم قول الله ورسوله أعلم:
إذا سُئل الإنسان عما لا يعلم من الأمور الشرعية،فالواجب أن يقول: الله ورسوله أعلم.
مثاله: أن يُسأل هل هذا حلالٌ أو حرام؟ فيقول الله ورسوله أعلم.
وإذا سُئل الإنسان عن ما لا يعلم من الأمور الكونية القدرية في المستقبل، فهذا لا يقول: الله ورسوله أعلم، لأن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، إلا ما عَلَّمه الله، بل يقول: الله أعلم.
مثاله: أن يقال له؛ هل تظن أن ينزل المطر غدًا؟ فيقول الله أعلم، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وظيفة اللسان:
يجب على الإنسان أن لا يتكلم إلا بخير، والخير نوعان:
الأول: خيرٌ لذاته؛ كأن يتكلم الإنسان بالذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، والدعوة إلى الله ونحو ذلك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
الثاني: خيرٌ لغيره؛ كأن يتكلم الإنسان بكلام طيب ومباح، يريد أن يبسط إخوانه، ويزيل عنهم الوحشة، ويؤلف قلوبهم، فهذا من الخير؛ كما قال النبي: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
متفق عليه.
حكم الهبة والعطية:
الهبة هي التبرع بالمال حال الحياة، والعطية هي التبرع بالمال حال مرض الموت، وتطلق كل واحدةٍ على الأخرى، والهبة مُستحبة بالنسبة للواهب، لما فيها من المصالح، والإحسان، وتأليف القلوب، وكان ﷺيُهدِي ويُهدَى إليه.
والسُّنَّة للموهوب له أن يقبل الهدية ولا يَرُدَّها، ولكن لقبول الهدية شروط:
الأول: أن لا يعلم انه أَهدَى إليه حياءً وخجلًا.
الثاني: ألا يتضمن قبولها محظورًا شرعيًا، كأن تقع موقع الرشوة، أو مقابل السكوت عن حق، أو الدفاع عن باطل.
الثالث: ألا تكون محرمة لعينها كالخنزير، والخمر ونحوهما.
الرابع: أن لا تكون الهدية حقًا للغير كالمسروق، والمغصوب ونحوهما.
أما المُحرَّم لكسبه فيجوز قبوله لأن النبي ﷺ قَبِلَ هدية اليهودية وهي الشاة المسمومة، وهو يعلم أنهم يأكلون الربا.
حكم المكافأة على الهدية:
الهدية في الأصل لا تقتضي ثوابًا، فلا يلزم من أُهديَ إليه شيئًا أن يثيب من أهداه، والأولى قبول الهدية، مع الإثابة إن تيسر، لأن النبي ﷺ كان يقبل الهدية، ويُثيب عليها، وكل ذلك عبادة.
حكم التسوية بين الأولاد في الهبة:
يجب على الأب التسوية بين الأولاد في الهبة، على حسب ميراثهم منه، ذكورًا كانوا أم إناثًا، وكذا الزوج يجب عليه أن يسوي بين زوجاته في النفقة، والكسوة، والسكن، والقسم.
وإذا فَضَّلَ الأب أحد أولاده بشيء، فيلزمه واحد من ثلاثة:
الأول: الرجوع في الهبة التي وهب.
أو يعطي البقية مثلما أعطى الأول، أو يأخذ العطية ويقسمها بينهم.
أو يستحلهم فيحللوه عن رضًا وقناعة.
فهو مخير بين هذه الأمور الثلاثة؛ وإن مات قبل التسوية رُدَّت إلى التركة، أو يعطى بقية الأولاد مثل ما أخذ من أعطي قبل قسمة التركة.
الفرق بين النفقة والعطية:
النفقة أن يعطي الإنسان أولاده ما يحتاجونه قليلًا كان أو كثيرًا؛ فمن تلزمه نفقةٌ لزواج، أو علاج، أو تفرغ لطلب علم ونحو ذلك، فيعطيه بحسب حاجته.
أما العطية فهي تبرع محض تجب فيها التسوية بين الأولاد حسب ميراثهم منه، لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله ﷿، وكل ما كان لدفع الحاجة فالتسوية فيه أن يعطى كل إنسان ما يحتاجه، أما إذا كان تبرع محض فلا بد من العدل بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين.
الفرق بين العطية والوصية:
أولًا: الأمور التي تجوز فيها العطية والوصية.
أولًا: العطية هي التبرع بالمال حال مرض الموت، فإن كانت بالثلث فأقل فهي جائزة، وإن كانت بأكثر من الثلث، فلا بد من إجازة الورثة لها بعد الموت.
ثانيًا: العطية؛ لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة كالوصية.
ثالثًا: العطية إذا وقعت دفعةً واحدة فتتزاحم في الثلث كالوصية، لكن لو أَعطى اليوم واحدًا، وفي اليوم الثاني أَعطى الثاني، فالعطية من الثلث للمتقدم بخلاف الوصية.
رابعًا: أن قضية العطية والوصية ناقصة، فالصدقة حال الصحة أفضل من الصدقة حال الموت.
ثانياً: الفرق بين العطية والوصية:
أولًا: أن العطية لا يجوز فيها الرجوع بعد القبض، أما الوصية فيجوز للموصي الرجوع فيها.
ثانيًا: أن الوصية يسوى فيها بين المتقدم والمتأخر، أما العطية فيُقَدَّم الأول فالأول إذا ضاق الثلث.
ثالثًا: أن العطية يكون قبولها عند وجودها، أما الوصية فيكون القبول بعد الموت.
رابعًا: الوصية تكون في المال والتصرفات، أما العطية فتكون فقط في الأموال.
خامسًا: أن الوصية تكون واجبة إذا كان عليه حقوق، أما العطية فهي مستحبة، لا واجبة.
وهذه هي أهم الفروق بين العطية والوصية.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وارفعنا ولا تضعنا يا ذا الجلال والإكرام.
والهدية هي ما قصَد الإنسان بها إكرام شخصٍ، إما لمحبة أو قرابة أو صداقة أو طلب حاجه، وذلك مُستحب، وقبول الهدية من السُّنَّة ويُكرهُ رَدُّها.
أما هدايا العمال فحرام، لأن ما يُهدى للعمال وأهل المناصب رشوة وليس بهدية، فلولا العمل لم يُهدى إليه، لكن إن كانت الهدية للإنسان لا من أجل الوظيفة والعمل، كأن يكون بينهما رحم أو قرابة أو جوار أو صداقه فلا بأس بذلك.
حكم الإحداد:
الإحداد: هو اجتناب المرأة ما يدعو إلى نكاحها.
ولا يجوز الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا.
وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم أحد تركوا الزينة والطيب، وحادُّوا عليه مدةٍ يقدرونها بأنفسهم.
ولما كانت النفوس ضعيفةٌ لا تطيق الصبر، لاسيما مع عِظَم المصائب، رَخَصَّ النبي ﷺ في الإحداد ثلاثة أيام لمن مات له قريبٌ، أو صديق وحَزِنَ عليه، أن يبقى في بيته ثلاثة أيام، من رجلٍ أو امرأة، لكن الرجل يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين.
لكن السُّنَّة والأفضل والأرفق والأوفق والأحسن أن يصبر المصاب على من مات له، ويحتسب الأجر عند الله، وأن تجري الأمور على ما هي عليه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
فالأفضل له الصبر، ولا يُحِد على أحدٍ مات له، إلا المرأة تُحِد على زوجها أربعه أشهرٍ وعشرًا، لأن الأمر لله ﷿، وهو المحمود على كل حال، فيصبر، ويحتسب، ويحزن، لكن لا يُغيِّر شيئًا من أمور دنياه بسبب المصيبة، ولمن مات له أحد أن يُحِد عليه ثلاثة أيام فما دونها، لكن الأفضل عدم الإحداد.
عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂ أَنَّ الرسُولَ ﷺ قال: «لا تُحِدُّ اِمْرَأَة عَلَىَ مَيِّتٍ فَوقَ ثَلاثٍ، إِلّاَ عَلَىَ زَوجٍ أَربَعةِ أَشْهُرٍ وَعَشرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوبًا مًصبُوغًا إِلَّا ثَوبَ عَصَبٍ، وَلَا تَكتَحِلُ، ولَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَت نُبذَةً مِنْ قِسْطٍ، أَوْ أَظفَارٍ».
متفق عليه.
صفة إحداد المرأة:
الإحداد بالنسبة للنساء اجتناب الأشياء التالية وقت العِدَّة من الوفاة.
والإحداد والعِدَّة عبادةٌ من العبادات، فيجب على المرأة التي تُحِدُّ أن تحتسب الأجر عند الله، وأن تتعبَّد لله بإكمال العِدَّة، وتحقيق الإحداد.
والمرأة في العِدَّة تجتنب ما يلي:
الأول: الطيب بجميع أنواعه؛ دهنًا، أو بخورًا، أو شمًا، إلا شيئًا يسيرًا من الطيب عند الطهارة من الحيض.
الثاني: الحُليِّ بجميع أنواعه؛ فلا تلبس الحُليِّ لا في الكفين، ولا في الرقبة، ولا في الأذنين، ولا على الرأس، ولا على الصدر، ولا على القدمين.
الثالث: لباس الزينة؛ فلا تلبس ثوبًا يُعَدَّ ثوب زينة، أما الثياب العادية فتلبس ما شاءت من أي لون.
الرابع: عدم الخروج من البيت؛ إلا لضرورة، كمراجعة طبيب ونحوه، وزيارة أبٍ أو أمٍ مريضٍ، أو جلب طعامٍ لحاجةٍ ونحو ذلك.
الخامس: عدم التحسن، و التجمل، والتكحل، والتزين وما أشبه ذلك، مما يدعو إلى نكاحها.
وللمرأة المحادَّة أن تكلم محارمها وغير محارمها في حاجتها، لكن لا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والمرأة المحادَّة على زوجها تَعتَدُّ في بيت زوجها، أو في بيت أبيها، وتختار ما تأمن فيه على نفسها، سواءً كان بيت زوجها، أو بيت أهلها، وتبقى فيه حتى تخرج من العِدَّة.
حصول الموت:
الموت إما أن يطلبك أو يلاقيك، فلا مفر منه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فالموت يطلب كل إنسان، في أي مكانٍ أو زمان، فلا نجاة منه، كما قال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
الموت يلاقيك و يلاحقك، فلا فرار منه، وهذا أشد وأبلغ.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨].
فلا نجاة لأحدٍ من الموت أبدًا، فكل حيٍ لا بد أن يموت، إلا الحي القيوم ﷻ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
فالموت إما أن يطلبك فيدركك، وإما أن يقابلك فيظفر بك:﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وإذا نزل الوباء في أرضٍ فلا نَقدُم عليها، وإذا وقع ونحن فيها، فلا نخرج منها فرارًا منه، ولو خرجت فرارًا منه فلن تفر من قدر الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
***
مختارات
