الخزانة التاسعة..
حكم قول هلك الناس:
من قال: هلك الناس إعجابًا بنفسه، واستصغارًا لغيره من الناس، وارتفاعًا عليهم، فهذا محرم؛ وبقوله هذا يكون هو أهلك الناس، لأنه أحبط عمله وهو لا يشعر، وزكَّى نفسه،وقدح في غيره بقوله: ضل الناس، ضاع الناس، فسق الناس، فسد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
وقال ﷿: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وأما تزكية النفس بالتوحيد والإيمان والتقوى، فهذا أمر مطلوب شرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وأما من قال: هلك الناس، لما يرى في الناس من نقصٍ في دينهم، وقاله حزنًا عليهم وعلى الدين، فلا بأس به، لما فيه من تذكير الناس والعلماء بهذا النقص؛ ليتداركوه ويبادروا بطاعة ربهم.
عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ».
أخرجه مسلم.
فمن قالها إعجابًا بنفسه، فهو أشد الناس هلاكًا على رواية الضم «أَهْلَكُهُمْ»، وعلى الرواية الثانية «أَهْلَكَهُمْ».
بالفتح يكون المعنى أن قول هذا يسبب هلاكهم، وترك نصحهم، فيعظم فسادهم وهلاكهم.
فالواجب نصحهم، وعدم اليأس منهم: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وعن تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا:لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
أخرجه مسلم (١).
حكم الوسائل:
الوسائل لها أحكام المقاصد، فالأفعال التي تؤدي إلى المقاصد يختلف حكمها باختلاف حكم المقاصد، فإن كان المقصود واجبًا فوسيلته واجبة، وإن كان محرمًا فوسيلته محرمة، وإن كان مُستحبًا فوسيلته مستحبة، وإن كان مكروهًا فوسيلته مكروهة، وإن كان مباحًا فوسيلته مباحة.
فوسائل الطاعات والقربات واجبة أو مستحبة، ووسائل المعاصي والمحرمات محرمة أو مكروهة.
المقاصد لا تحصل إلا بالوسائل، والغايات لا تتحقق إلا بأسباب تُوصِّل إليها، وتلك سُنة الله في خلقه وأمره وحكمه، والحصول على الشيء دون مباشرة سببه ضرب من العبث، يستحق صاحبه الملامة؛ لكن يجب الاعتماد على الله لا على السبب، فنفعل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
لهذا أمر الله عبادة بمباشرة الأسباب، واتخاذ الوسائل، لبلوغ الغايات والمقاصد، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ومباشرة الوسائل من حيث الجملة فطرةٌ إنسانية، كما هي سُنة كونية، وفريضة شرعية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
حكم أخذ الربا:
إذا أودع المسلم أمواله في بنوك ربوية، فهذا لا يجوز، بل هو من الكبائر، ثم إذا أعطوه فوائد ربوية على ماله، فلا يجوز له أخذها، ولا يجوز له التصدق بها، لأنها كسبٌ خبيث، والله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا.
فلا يليق بالمسلم أن يلوث يده بالنجاسة، ثم يذهب ويغسلها، فلا يجوز أن يأخذ المسلم الربا مهما بلغ، لأن شرعنا يُحرِّم الربا قليلًا كان أو كثيرًا، وإذا تركته لهم ثم صرفوه في مُحرَّم، أو في حرب المسلمين، فأنت لم تأمرهم بذلك، ولم تعطهم إياه، لأنك لم تملكه، فلا إثم عليك،والحل أن تتركه ولا تأخذه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١].
فقه محق الربا:
محق الربا له صورتان:
الأولى: محقٌ حسِّي، بأن يسلط الله على مال المرابي آفةٌ تفنيه، أو جائحة تتلفه، أو يمرض صاحبه ويحتاج إلى دواء ومعالجات، أو يمرض أهله، أو يُسرَق ماله، أو يُنهَب، أو يحترق ماله ونحو ذلك من عقوبات الدنيا.
الثاني: محقٌ معنوي، فيكون ماله كثيرٌ جدًا، لكنه لا ينتفع به، بل يكنزه ويدخره لورثته، أما هو فلا ينتفع به:﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
أما الملعونون في الربا فقد لعن رسول الله ﷺ في الربا خمسة:
آكله.
وموكله.
وشاهديه.
وكاتبه.
فآكله هو آخذ الربا، وموكله هو الذي يعطي الربا، وهو ملعون مع أنه مظلوم من المرابي الظالم؛ لأنه أعانه على الإثم والعدوان، والشاهدان والكاتب ليس لهما مصلحة ولا منفعة، لكن أعانوا على تثبيت الربا، وأعانوا على الإثم والعدوان، فهؤلاء الخمسة كلهم ملعونون على لسان محمد ﷺ، وما أقرب الإجابة فيمن لعنه الرسول ﷺ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن جابر ﵁ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: «هُمْ سَوَاء».
أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ».
متفق عليه.
حكم الألعاب:
الألعاب ثلاثة أقسام:
الأول: ألعاب مشروعة.
الثاني: وألعاب ممنوعة.
الثالث: وألعاب مسكوت عنها.
القسم الأول: الألعاب المشروعة، وهي نوعان:
الأول: ألعاب نصت عليها الشريعة كالرماية، والمسابقة، والمصارعة، ونحو ذلك مما يعين على الجهاد في سبيل الله، فهذه جائزة، يقول النبي ﷺ: «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ».
أخرجه أبو داود والترمذي سندٍ صحيح.
الثاني: ألعاب لم تنص عليها الشريعة، إلا أنها مما يُستعان بها في الجهاد في سبيل الله، وهذا داخل في النوع الأول من باب القياس، وربما كان أولى، لا سيما مع تطور آلات الجهاد كما هو الآن من دبابات وطيارات وصواريخ ونحوها من العُدد الحربية، فالمسابقة على هذا وما قبله جائزة بعِوض وبدون عِوض؛ لأن الله أمر بإعداد القوة، ولما فيها من حسن إعداد الجندي المسلم وتدريبه على حمل السلاح والرمي به.
القسم الثاني: الألعاب الممنوعة، وهي ثلاثة أنوع:
الأول: ألعاب نصت الشريعة الإسلامية على تحريمها كالميسر، والقمار، والنرد، والشطرنج، والتحريش بين البهائم، واتخاذها غرضًا، ونحو ذلك مما حرمته الشريعة، لما في ذلك من الظلم، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وشغل القلب بها، وإلهاء الإنسان عن أوامر الله بها، وإيقاع العداوة والبغضاء بسببها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: ألعاب لم تنص الشريعة على تحريمها، لكن حرمتها لاقترانها بمحظور شرعي خارج عن أصلها، لما اقترن بها من أضرار، أو سبٌ، أو عداوة، أو صد عن ذكر الله، أو إشغال عما هو أفضل وأولى، مثل اللعب بكرة القدم، أو غيرها مما يسبب العداوة.
وإذا كان يحرم تعلم العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة، فكيف باللعب بالكرة التي أكلت أموال الناس وأوقاتهم، وأوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وأشعلت العصبيات فيما بين أصحاب تلك الفرق؟.
الثالث: ألعاب ليس فيها إعمال للعقل والتفكير، بل هي قائمة على التخمين والحظ، فهذه محرمة؛ لأنها قمارٌ تؤكل من غير إعمال فكر أو بذل جهد، فهي من الميسر الذي حرمه الله.
القسم الثالث: ألعاب سكتت عنها الشريعة:
وهو القسم المباح من الألعاب، فهذا القسم إذا لم يحصل به ضرر، أو يقترن بمحظور شرعي، أو أشغل عن فرض، فيبقى على أصل الإباحة؛ لأنه لابد لبعض النفوس من استجمام، خاصةً النساء والأطفال، ولكن لا يليق بالإنسان الإكثار منه، فهذا لا إثم فيه ولا أجر، فإن العبد مأمور بأن يقوم بأوامر الله في حياته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
حكم أخذ العِوض في الألعاب:
السَبْق: هو المال الذي يأخذه السابق.
والسَبَق: هو بلوغ الغاية قبل غيره.
والرهان: هو عقد بين متعاقدين يقتضي الالتزام بدفع المال المشروط.
والرهان محرم؛ لأنه قمار، والقمار نوع من الميسر، والميسر حرام، والفرق بين الرهان والقمار، أنهما يتفقان في أن حق المتعاقد يتوقف على واقعة غير محققة، ويفترقان في أن المقامر يقوم بدورٍ فعلي في محاولة تحقيق الواقعة غير المحققة، أما المُراهِن فلا يقوم بدور في تحقيق صدق قوله.
فالذين يتسابقون على الخيل مثلًا لغرض شرعي على جُعل، هؤلاء مقامرون، والذين يتراهنون على الفرس السابق يسمون مراهنين، فالمسابق يبذل جهدًا لتحقيق الواقعة، والمراهن لم يبذل جهدًا، وكلاهما محرَّم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وأما أخذ العوض في الألعاب الرياضية فحكمه كما يلي:
أولًا: الألعاب المشروعة نوعان:
الأول: منصوص عليه كالرماية، والسباق في الخيل والإبل، فهذا يجوز أخذ العوض عليه.
الثاني: ما يستعان به على الجهاد مما لم ينص عليه، فهذا يجوز أخذ العوض عليه كالتدرب على الدبابات والطائرات والبنادق ونحوها مما يستعان به على نصرة الدين.
فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما يعين على الدين كما في مراهنة أبي بكر الصديق ﵁ على أن الروم سوف تغلب الفرس.
ثانيًا: الألعاب الممنوعة، وهي ثلاثة أقسام:
الأول: الميسر، والقمار، والنرد، والشطرنج، فهذه يحرم اللعب بها، وأخذ العوض عليها كما سبق.
الثاني: ألعاب حلال في أصلها، لكن اقترن بها محظور شرعي خارج عن أصلها، كما لو اقترن بها إضرارٌ، أو سب، أو عداوة، أو صد عن ذكر الله، أو إشغال عما هو أولى كاللعب بالكرة ونحوها، فهذه يحرم أخذ العوض عليها.
الثالث: ألعاب تعتمد على التخمين والصدفة والحظ مثل اليانصيب، فهذه يحرم أخذ العوض عليها.
ثالثًا: الألعاب المباحة:
وهي كل ما لا يستعان به على الجهاد، ولم يشغل عن فرض، ولم يتسبب في ضرر، فهذا جائز، تستجم به النفوس، وتستريح به، لكن يحرم أخذ العوض عليه، لئلا يتخذ حرفة للكسب، ويلهي عن المصالح الدينية والدنيوية.
أحوال اللعب والسبق:
اللعب والسبق لا يخرج من أربعة أقسام:
الأول: أن يكون مما يعين على الجهاد، فهذا محبوب مرضي لله تعالى، فيجوز السَبْق به، ويباح وقد يستحب بذل العوض فيه.
الثاني: أن يكون اللعب قائمًا على التخمين والحظ، فهذا يحرم مطلقًا، ويحرم أخذ العوض عليه.
الثالث: أن يكون اللعب لا يقوم على التخمين، ولا يعين على الجهاد، لكن فيه تقوية للبدن كالسباحة، هذا تجوز المسابقة فيه، لكن يحرم بذل العوض فيه.
الرابع: أن يكون اللعب فيه ضرر مؤكد، أو يصد عن ذكر الله، وعن الواجبات الشرعية، وعما هو أفضل منه، فهذا يحرم اللعب به، ويحرم أخذ العِوض فيه.
واللعب بالكرة لا يخرج عن القسم الثالث والرابع، فهي لا يستعان بها على الجهاد، بل هي مجرد لهو ولعب، مع اشتمالها على محاذير ومحرمات، من إضاعة الأوقات والأقوال، وكشف العورات.
وأما الرابعة فلاشتمال اللعب بالكرة على ضرر مؤكد، وفعل محرم، وصد عن واجب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
***
مختارات
