الخزانة السادسة..
فقه الشفاعة بين الناس:
الشفاعة؛ هي التوسط للغير في جلب منفعة، أو دفع مضرة، كان يتوسط لشخص، ليحصل على عمل، أو يشفع لشخص عند آخر ليسامحه ويعفو عن مظلمته.
والشفاعة أقسام:
الأول: شفاعة محرمة، وهي الشفاعة في الحدود، بعد بلوغها الإمام، لما في ذلك من تعطيل حدود الله التي بها تصلح أحوال الناس.
عن عائشة ﵂: أن امرأة من بني مخزوم سرقت فقالوا: مَنْ يكلمُ فيها رسولَ اللهِ ﷺ؟ فلم يجترئ أحدٌ أن يكلمَه، فكلمَهُ أسامةُ بنُ زيدٍ، فقال: إنَّ بَنيِ إسرائيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فيهمُ الشريفُ تركوهُ، وإِذَا سَرقَ فيهمُ الضعيفُ قَطعوهُ، لو كانت فاطمةُ لقطعتُ يدَها».
وفي رواية «أتَشْفَعُ في حَدٍّ من حُدُود اللّه؟».
متفق عليه.
الثاني: أن يشفع في شيء محرم، كان يشفع أحد لإنسان معتدٍ على أخيه، أو يشفع لرجل على امرأة مخطوبة، فهذا لا يحل له أن يشفع؛ لأن الخطبة على الخطبة محرمه، والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان والله ﷿ يقول:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
أو يشفع في شراء محرم من خمر ودخانٍ أو قرض ربا ونحو ذلك فهذا كله لا يجوز، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
الثالث: الشفاعة في شيء مباح، فهذه مشروعة، وللإنسان فيها أجر، كأن يريد شخصٌ شراء بيتِ فتشفع له عند صاحبه في إنقاص الثمن، أو تأجيل بعضه، هذه الشفاعة حسنة؛ لأن فيها إحسان إلى الغير: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
وعن أبي موسى ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ».
متفق عليه.
حكم شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، لما فيها من الظلم والضرر العظيم.
فشاهد الزور أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه.
أما إساءته إلى نفسه، فإنه قد أتى كبيرةً من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى من شهد له، فلأنه سلطه على ما لا يستحق، وسهل له أكل المحرم والباطل، والشاهد يظن أنه محسنٌ لمن شهد له، وأما كونه أساء إلى المشهود عليه فلأنه ظلمه، وكذب عليه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وعن أبي بكر قال، قال رسول الله ﷺ: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِر؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لا يَسْكُتُ».
متفق عليه.
وعن أنس بن مالك قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ:قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّور».
متفق عليه.
فقه صلة الرحم:
الأرحام؛ هم الأقارب، وصلة الأرحام تكون بما جرى به العرف؛ لأن الله ﷿ لم يذكر في الكتاب، والرسول ﷺ لم يبين في السنة، نوعها، ولا جنسها، ولا مقدارها، فما جرى به عرف المسلمين أنه صلة فهو صلة، وما تعارفوا عليه أنه قطيعة فهو قطيعة.
وصلة الأرحام فضلها عظيم، فمن أراد أن يصله الله فليصل رحمه، ومن أراد أن يقطعه الله فليقطع رحمه جزاء وفاقا، وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل كان الله له أوصل،وكلما وصل أو قصر جاءه من الثواب بقدر ما عمل: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: -٧٥].
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
متفق عليه.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ فَهُوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢].
».
متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ إن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُه».
متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ وزج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، فمَنْ وَصَلَها وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَها قَطَعْتُه».
متفق عليه.
صفة الواصل للرحم:
الواصل؛ هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، فتكون صلة لله لا مكافأة لعباد الله، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحًا عند الناس، فليس الواصل بالمكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
أخرجه البخاري.
والمؤمن يبتغي الأجرَ من الله، ويختار الأخلاق الحسنة، ومن ضمنها العفو والوصل لمن أساء إليه، فالمؤمن يعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمة، ويصل من قطعة، ويحسن إلى من أساء إليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
اغفر لنا: امحوا عنا ذنوبنا حتى لا ندخل النار، وارحمنا:اقبل طاعتنا حتى ندخل الجنة، ولا أحد أرحم بعباده من ربهم أرحم الراحمين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
اللهم فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
ولا يمكن لأحد أن يفوز بالجنة، وينجو من النار، إلا بفضل الله ورحمته ومغفرته: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال النبي ﷺ: «لَا يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ الْجَنَّة عَمَلُهُ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أنا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْه و فَضْلِ».
متفق عليه.
فقه الوصية:
الوصية؛ هي عهد الإنسان بعد موته إلى شخص بشيء يملكه.
والوصية أنواع:
منها أن يوصي لفلان أن ينتفع بشيء من ماله بعد موته كالثلث أو الربع ونحوهما، أو يعهد لشخص بالنظر على أولاده الصغار، أو يوصي فلاناً بتفريق ثلث المال، أو يوصي فلانًا بقضاء ديونه وغير ذلك من أنواع الوصية.
حكم الوصية:
الوصية ثلاثة أقسام:
واجبة.
ومحرمة.
وجائزه.
أولاً: الوصية الواجبة
أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة من زكاة أو ديون للناس، لئلا يجحدها الورثة، خاصة إذا لم يكن عليها بينة، وكذا الوصية لأقاربه غير الوارثين إذا كان له مال كثير: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨١].
وعن سعد بن أبي وقاس ﵁ قال: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺيَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ قَالَ لَا قُلْتُ: الثُّلُثُ، قَالَ فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ».
متفق عليه.
ثانيًا: الوصية المحرمة:
كان يوصي لأحد الورثة بمال من بين سائر الورثة، و الوصية لأحد الورثة لا تجوز مطلقا، ومن أوصى بذلك فالحق للورثة، إن شاءوا نفذوا، وإن شاءوا ردوها، والوصية لغير وارث بأكثر من ثلث لا تجوز.
قال النبي ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ».
أخرجه الترمذي وابن ماجة.
ثالثًا: الوصية المباحة:
كأن يوصي الإنسان بشيء من ماله لا يتجاوز الثلث لغير وارث، والوصية بما دون الثلث أفضل كالربع أو الخمس، والحد الأعلى الثلث، فلا يزاد عليه، أما الوصية للوارث فلا تجوز مطلقًا، ولابد أن تكون الكتابة للوصية معلومة إما بخط يده، أو بخط شخصٍ معتمدٍ يشهد عليها.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
متفق عليه.
أما إن كان المال قليلًا، والورثة محتاجون، فترك الوصية أولى؛ لأن ورثته أولى من غيرهم بمال أبيهم.
فقه الرضاع المحرم:
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وذلك بثلاثة شروط: الأول: أن يكون اللبن من آدمية؛ لقوله سبحانه:﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
الثاني: أن تكون الرضعات خمسًا فأكثر، فلا تحرم المصة ولا المصتان.
الثالث: أن يكون الرضاع في زمن الرضاع؛ وهو ما قبل الفطام في الحولين، فالرضاع بعد الحولين لا يحرم.
قال النبي ﷺ: «فإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ».
متفق عليه.
وإذا ثبت الرضاع بهذه الشروط، ثبت التحريم، وإذا ثبت التحريم، فإنه ينتشر على المرتضع وذريته فقط، ولا ينتشر على إخوانه وأخواته، وآبائه وأمهاته، فالتحريم إنما ينتشر على الراضع وفروعه، وهم ذريته فقط.
فأما أصول الراضع، وهم آباؤه وأمهاته، وحواشيه من إخوة وأخوات، وأعمام وأخوال وأبنائهم، فلا تأثير لهم في الرضاع، فيجوز لأخ الراضع من النسب أن يتزوج أخت أخيه من الرضاعة أو أمه أو عمته؛ لأن التحريم لا يشمله وإذا رضع طفل أو طفلة من امرأة فزوجها أبوه، وعمها عمه، وخالها خاله، وبناتها وأبناؤها إخوته.
فقه علة الأحكام:
ذكر الحكمة مقرونةٌ بالحكم له فائدتان:
الأولى: بيان سمو الشريعة، وأنها مبنيةٌ على جلب المصالح، ودرء المفاسد، فكل ما أمر الله ورسوله به، فالخير في وجوده، وكل ما نهى الله ورسوله عنه، فالخير في تركه، وما أمر الله بشيء إلا أعان عليه، ولا نهى عن شيء إلا أغنى عنه،وبيان علة الحكم ترغب في فعله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
فجعل الحكمة من الصيام حصول التقوى.
الثانية: زيادة اطمئنان النفس، فذكر الحكمة يزيد العبد إيمانًا، ويزيده يقينًا وينشطه لفعل المأمور، وترك المحظور:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقد يكون عدم ذكر الحكمة، أقوى في التسليم لأمر الله، والاستجابة إليه.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فالتعبد لله بأحكام نعرف حكمتها، وبأحكامٍ لا نعرف حكمتها أقوى في التسليم، فعلينا أن نسلم بهذا وهذا؛ لأن الله حكيمٌ لا يأمر إلا بما فيه حكمة.
ومما لا نعرف حكمته: الوضوء من لحم الإبل، وتقبيل الحجر الأسود، ورمي الجمار في الحج ونحو ذلك.
حكم السلام:
السلام سنة، ورده واجب، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
والفريضة أفضل من النافلة؛ لأنها أحب إلى الله من النافلة، وابتداء السلام أفضل من الرد، وإن كان الرد فرضًا، وبدء السلام سنة، لكن لما كان الفرض مبنياً على هذه السنة، كانت السنة أفضل من هذا الفرض؛ لأنه مبنيٌ عليه.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ فقَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُون الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ».
أخرجه مسلم.
عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُون الْجَنَّةَ بِسَلامٍ».
أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح.
حكم إتيان الكهان:
الكاهن هو الذي يُخبر عن الغيب في المستقبل بإعانة الشياطين.
والكهان رجالٌ تأتيهم الشياطين بما يسمعونه من خبر السماء، فيحدثون الناس بما أخبرت به الشياطين من الحق، ويضيفون إلى الخبر الحق أشياء كثيرة من الكذب والباطل؛ ليأكلوا أموال الناس، ويتخذونهم حكامًا لهم.
واتخاذ الكهان له ثلاث حالات:
الأولى: أن يأتي الإنسان إلى الكاهن فيسأله، ولا يصدقه؛ فهذا لا تُقبل له صلاة أربعين يومًا.
الثانية: أن يأتيه فيسأله، ويصدقه؛ فهذا كافر؛ لأن تصديقه يتضمن تكذيب القرآن الذي بين أنه لا يعلم الغيب إلا الله، والكاهن يُخبر عن الغيب في: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
أخرجه مسلم.
الثالثة: أن يأتيه ويسأله، ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس، فهذا لا بأس به، وقد يكون محمودًا، لما فيه من إبطال الباطل، كما سأل النبي ﷺ ابن صياد عما أضمره وفيه: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
