الخزانة الرابعة..
حكم زيارة القبور:
زيارة القبور مشروعة سواءً كان الميت مسلمًا أو كافرًا.
لكن يُفرق بينهما في الزيارة كما يلي:
أولًا: الكافر، يُزار قبره للعظة والاعتبار، وتذكر الموت، ولا يجوز الدعاء له بالرحمة، ولا الاستغفار له، لأنه مات كافراً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
أخرجه مسلم.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِىِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ».
أخرجه مسلم.
ثانيًا: المؤمنون، تُزار قبورهم للاعتبار، وتذكر الموت، والدعاء لهم بالرحمة والاستغفار لهم عند الدفن، وبعد الدفن.
عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذا خَرَجُوا إِلى المَقابِرِ فكَانْ قَائِلُهُم يَقُولَ: «السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْل الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ للاحقُونَ، أَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ العافِيَةَ».
أخرجه مسلم.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا».
أخرجه مسلم.
ثالثًا: الدعاء حين زيارة الميت المسلم من جنس الدعاء في صلاة الجنازة كل ذلك حقٌ للميت، وعملٌ صالحٌ من الحي.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بمثل ذَلِكَ».
أخرجه مسلم.
وَعَنْ أم الدَّرْدَاءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ».
أخرجه مسلم.
رابعًا: دعاء الأموات، والسجود عند قبورهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، كل ذلك من جنس الشرك بالله، فلا يجوز لأحدٍ فعله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النبي ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، قالت: وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ».
متفقٌ عليه.
فضل الصلاة على الجنازة وإتباعها حتى تُدفن:
السُنَّة إتباع الجنازة إيمانًا واحتسابًا، حتى يُصلى عليها، ويُفرغ من دفنها، وإتباع الجنائز سُنَّةٌ للرجال دون النساء.
أما الصلاة على الجنائز فسُنَّةٌ للرجال والنساء معًا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
متفقٌ عليه.
ولا يجوز للنساء زيارة القبور، ولا إتباع الجنائز.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولُ اللَّه ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ.
أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ حسن.
لكن إذا مرت المرأة بالمقبرة بدون قصد زيارة، فيُسن أن تسلم على أهل القبور، وتدعو لهم بما ورد من غير أن تدخلها، كما وصى النبي ﷺ عَائِشَةَ ﵂ بذلك حيث قال:«قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ».
أخرجه مسلم.
فقه الشهادات:
شهادة النساء تنقسم إلى قسمين:
الأول: نوعٌ يُقبل فيه شهادة النساء منفردات كالرضاع، والاستهلال، والولادة، والحيض ونحو ذلك مما تراه بعينها أو تلمسها بيدها ونحو ذلك مما يخص النساء.
الثاني: نوعٌ لا يُقبل فيه شهادة النساء إلا مع الرجال، وهو جميع الأحكام، إلا القصاص والحدود، فيُقبلن مع الرجال في الأموال، والنكاح، والطلاق، والوصية وغيرها، ويُقبلن منفردات فيما لا يطلع عليه إلا النساء كالحيض ونحوه.
حكم شهادة الفاسق:
لا تُقبل شهادة الفاسق وخبره لأمرين:
أحدهما: عدم الوثوق به، إذ يحمله فسقه وعدم وقار الله في قلبه على الكذب.
الثاني: هجره على إعلانه بفسقه، ليرتدع عنه.
والعدالة شرطٌ في الشهادة، ولكن العدالة تتبعض، فيكون الرجل عدلًا في شيء، فاسقًا في شيء، فإذا تبين للقاضي أنه عدلٌ فيما شهد به قبل شهادته، ولم يضره فسقه في غيره،قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وإن كان الناس كلهم فُساقًا إلا القليل قُبلت شهادة بعضهم على بعض، ويُحكم بشهادة الأمثل فالأمثل من الفُساق.
حكم شهادة الكافر:
شهادة الكافر لها حالتان:
إما أن تكون على كافر.
وإما أن تكون على مسلم.
أولاً: فشهادة الكفار بعضهم على بعض تجوز للحاجة، سواءً كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، وقد أمر الله ﷿ بالحكم بينهم إذا جاءوا إلينا، فإذا تجاحدوا وقامت البينة منهم، ولم يحضرهم أحدٌ من المسلمين، حكمنا بينهم بالعدل؛ ليصل إلى كل ذي حقٍ حقه، وإذا لم نحكم بينهم أدى ذلك إلى تظالمهم، وضياع حقوقهم، وفي ذلك فسادٌ عظيم لهم ولغيرهم كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
وليس في قبول شهادتهم إكرام لهم؛ لأن الحكم بينهم مقصوده دفع شر بعضهم عن بعض، وعن المسلمين، وإيصال الحق إلى صاحبه بقول من يرضونه، ومن كان منهم معروفًا بالكذب لا نقبله، ولا نلزمهم بشهادته.
عَنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَال: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ، قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ، قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ،قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ، فَأُتِيَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ: فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ:فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا».
متفقٌ عليه.
ثانيًا: تُقبل شهادة الكفار على المسلمين في السفر والحضر عند الضرورة إذا لم يُوجد غيرهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].
فتُقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض، وفي شهادتهم على المسلمين مع أيمانهم إذا عُدِم المسلمون.
عموم العقوبة:
كل من شارك أهل البغي والعدوان، وأهل الباطل، فإنه يكون معهم في الإثم والعقوبة، والعقوبة إذا وقعت تعم الصالح والطالح، والبار والفاجر، والمؤمن والكافر، ولا تترك أحدًا، ثم يوم القيامة يُبعث الناس على نياتهم، ولا يسلم إلا من كان قائمًا بأمر الله، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها قالت: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ: «يغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ.
قَالَتْ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهمْ أسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟! قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيّاتِهمْ».
متفقٌ عليه.
فقه كمال النية:
تكمل النية في كل عمل بثلاثة أشياء:
الأول: نية العبادة كالصلاة ونحوها.
الثاني: نية الإخلاص بأن تكون لله وجل.
الثالث: نية أنه قام بها امتثالًا لأمر الله.
فمثلًا تنوي صلاة الظهر، وتنوي أنك تُصلي لله لا لغيره،وتستحضر أنك تصلي امتثالًا لأمر الله حيث قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺيَقُولُ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفقٌ عليه.
حكم السفر إلى بلاد الكفار:
السفر المشروع الذي جاء عن النبي ﷺ هو السفر للحج والعمرة، والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله.
ولا يجوز السفر إلى بلاد الكفر إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون عند المسافر علمٌ يدفع به الشبهات.
الثاني: أن يكون عنده دينٌ وتقوى وورعٌ يحميه من الشهوات المحرمة.
الثالث: أن يكون محتاجًا إلى السفر لمرضٍ، أو تجارة، أو طلب علم ليس عند المسلمين، وهم محتاجون له ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أما السفر للدعوة إلى الله، فواجبٌ على المستطيع؛ لإبلاغ دين الله لقول الله ﷿: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقول الله ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقد ابتلي كثيرٌ من المسلمين بالسفر إلى بلاد الكفار، والاختلاط بهم، ورؤية المنكرات، وجرهم الشيطان إلى تلك الديار؛ ليتأثروا بأحوالهم، ويقلدوهم في صفاتهم، ثم يرجعون إلى بلادهم يحدثون بما رأوا من أحوال الكفار وصفاتهم وديارهم.
ونتج من ذلك تقليد اليهود والنصارى وسائر الكفار في عاداتهم ولباسهم وطريقة حياتهم، كما قال النبي ﷺ:«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.
قَالُوا: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ:فَمَنْ؟».
متفقٌ عليه.
فليحذر العبد من ذلك، وليلزم بيئة المؤمنين، ولا يدخل بيئة الكفار إلا لضرورة، وإلا للدعوة إلى الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وكل إنسانٍ مسئولٌ عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن وقته ماذا عمل به؟: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠].
وليعلم كل مسلم ومسلمة أن الله ﷿ قد خلقه وهداه واشتراه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
فهو مسئول بين يدي ربه عن عشرة أمور:
فيُسأل في قبره من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
ويُسأل يوم القيامة عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن وقته ماذا عمل به؟.
ويُسأل كذلك في عرصات القيامة، كما قال سبحانه: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [النمل: ٨٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
***
مختارات
