الخزانة السابعة..
حكم التقليد:
التقليد في مسائل الأحكام مع وضوح الدليل من الكتاب والسنة لا يجوز؛ لأن التقليد في منزلة أكل الميتة يحل عند الضرورة فقط، أما مع وجود لحم مذكى فلا نأكل الميتة، فكذلك لا يجوز للعالم بالدليل من الكتاب والسنة، أن يقلد أحدًا، ولهذا لم يأمرنا الله ﷿ بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
فإذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم، ونأخذ من البينات والزبر: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
أقسام الإرادة:
إرادة الله نوعان:
الأول: إرادة كونية قدرية بمعنى المشيئة، ويلزم منها وقوع المراد، سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
الثاني: إرادة دينية شرعية؛ بمعنى المحبة، ولا يلزم منها وقوع المراد، ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله كما قال سبحانه:﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
أقسام المعية:
معية الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: المعية العامة، وهي المعية الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وغير ذلك من معاني الربوبية، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الثانية: المعية الخاصة، وهى المقيدة بوصف أو شخص.
فالمقيدة بوصف كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
والمقيدة بشخص كقوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وقوله سبحانه عن محمد ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
أقسام الهجر:
الهجر له معنيان:
هجر عام: وهو هجر كل ما حرم الله ﷿ كما قال النبي ﷺ: «الْمُهَاجِرُ مِنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».
أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
الثاني: هجر خاص: وهو أن يهجر مسلم بلده لله، فيهاجر منه من أجل إقامة دين الله وحماية نفسه من الزيغ والأذى كما قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
متفق عليه.
والهجرة من أجل الله، ومن أجل دينه، عبادة أثنى الله على أهلها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
حكم القتال في الأشهر الحرم:
الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة سرد، وواحد فرد، وهى: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
والقتال في الشهر الحرام حرام، فلا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم، لكن إن اعتدوا علينا، وتألبوا علينا، ندافعهم وتقاتلهم حتى في الشهر الحرام، كما قاتل الرسول ﷺ ثقيفًا في شهر ذي القعدة، وهو شهر حرام، وكما غزا الروم في تبوك في رجب، وهو شهر حرام، فهؤلاء وهؤلاء تجمعوا لقتال المسلمين فخرج الرسول ﷺ إليهم مع أصحابه ليدافعهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١].
حكم تكرار الطلاق:
السنة في الطلاق أن يطلق الزواج المرأة في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهى حامل قد تبين حملها، فيطلقها طلقة واحدة، وله أن يراجعها مادامت في العدة، فإن طلقها الطلقة الثانية، فله أن يراجعها مادامت في العدة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
والطلاق المكرر بلفظ واحد لا يتكرر به الطلاق، فلا يقع إلا واحدة، كأن يقول لزوجته: أنت طالق طالق طالق، أو أنت طالق ثلاثاً، فلا تطلق بهذا الطلاق ثلاثاً؛ لأنها طلقت الطلقة الأولى واحدة، فإذا قلت ثانية: أنت طالق، فقد أوقعت طلاقًا على مطلقة، والطلاق لا يقع إلا على من كانت زوجة غير مطلقة، لهذا لا يقع طلاق على طلاق، ولا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة، ولا يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقدًا جديدًا، فالطلاق مرتان أي مرة بعد مرة.
فلابد أن يقع على زوجة غير مطلقة، فمن طلق ثلاثًا بكلمة واحدة أو كلمات فلا تطلق إلا واحدة؛ لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة في عصمته إما المطلقة فلا يقع عليها طلاق: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣١].
حكم المال المحرم:
المال المحرم لكسبه كالربا إن أنفقه الإنسان للتقرب به إلى الله، لم ينفعه، ولم يسلم من إثمه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وإن أراد الصدقة به للتخلص منه، والبراءة من إثمه، نفعه، فسلم من إثمه، وصار له أجر التوبة منه، لا أجر الصدقة به.
وإن أراد أن يبني بالمال الربوي مسجدًا، فبناه، فالصلاة فيه صحيحة، أما ثواب بناء المسجد، فإن قصد التقرب إلى الله بذلك المال، لم يقبل منه، ولم يسلم من إثمه، وإن قصد التخلص من ذلك المال، سلم من الإثم وأثيب لا ثواب بناء المسجد، ولكن ثواب التائب إلى الله:﷿ ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
والإنفاق الموافق للشريعة ابتغاء مرضاة الله، ما كان موافقاً للشرع في الكم والنوع والصفة، فالكم كما قال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
والنوع كما قال سبحانه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
والصفة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤].
صفة التخلص من المال الحرام:
المال الحرام له حالتان:
الأولى: إن أخذه صاحبه بغير اختيار صاحبه كالمغصوب والمسروق، فإنه يرده على صاحبه، فإن كان ميتًا رده على ورثته، فإن لم يكن له ورثة رده على بيت المال، فإن تعذر ذلك تصدق به عن من هو له.
الثانية: إن أخذ المال الحرام باختيار صاحبه كالربا ومهر البغي، وحلوان الكاهن، فهذا لا يرده عليه، وإنما يتصدق به؛ ليتخلص منه، ويسلم من إثمه وله أجر التوبة لا أجر الصدقة، هذا حكم من كان عالمًا بالتحريم.
أما إن كان حين اكتساب المال جاهل بالتحريم، فلا يجب عليه أن يتصدق به لقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].
أقسام الأحكام الشرعية:
تنقسم الأحكام إلى قسمين:
الأول: عبادات: وهى ما تكون بين العبد وربه كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والأذكار والأدعية ونحوها.
الثاني: معاملات: وهى ما يكون بين الإنسان وغيره من الخلق، وهى أربعة أقسام:
الأول: معاملات مالية: كالبيع والإجارة والشركة ونحوها كالزكاة والميراث.
الثاني: معاملات بدنية: كالنكاح والصداق والطلاق والعدة ونحوها.
الثالث: معاملات جنائية: كالقصاص والحدود ونحوها.
الرابع: معاملات قضائية: كالقضاء والفصل في المعاملات ونحوها.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وأعظم قواعد المعاملات أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ لأنه بذلك يقوم بعبادة لله ﷿ من بيع وشراء أو تأجير ونحو ذلك ممتثلًا في ذلك أمر ربه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
متفق عليه.
فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والمؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى، فيجب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
فقه الحكم:
الحكم إثبات أمر لشيء أو نفيه عنه، والحكم ثلاثة أنواع:
الأول: حكم شرعي: وهو المستند إلى أدلة الشرع من قرآن وسنة.
الثاني: حكم عادي: وهو المستند على العادة والتجربة.
الثالث: حكم عقلي: وهو المستند على العقل.
فالحكم العقلي كقولنا: الواحد نصف الاثنين، والحكم العادي والحسي كقولنا: السماء فوق الأرض، والحكم الشرعي كأحكام الله الشرعية التي بينها الله في كتابه، وبينها الرسول ﷺ في سنته.
حكم العمل:
الله ﷿ غني عن العالمين، وعن أعمالهم: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
ولا يقبل الله عملًا من العبد إلا إذا كان مشروعًا خالصًا لوجه الله وحده.
ولعمل المسلم ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون العمل مشروعًا، والقصد موافقًا؛ كمن يصلي الظهر قاصدًا وجه الله، فهذا عمله مقبول، وفاعله مأجور.
الثانية: أن يكون العمل مشروعًا، والقصد مخالفًا؛ كمن يصلي العشاء وقصده الرياء والسمعة، فهذا العمل غير مقبول، ولا أجر لفاعله.
الثالثة: أن يكون العمل مخالفًا، والقصد موافقًا؛ كمن يحدث بدعة المولد، يقصد بها التقرب إلى الله ﷿، فهذا عمله مردود عليه، ولا يقبله الله ﷿ منه.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذا ما ليْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
وعن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى».
متفق عليه.
***
مختارات
