الخزانة الثانية..
ومن دلائل عظمة قدر الرسول ﷺ:
السادسة عشرة: أن الله تعالى وهب نبيه ﷺ أحسن الأخلاق، وأثنى على عظيم خُلقه فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فكان خلقه القرآن، يتمثل أوامره، ويتجنب نواهيه، ويصدق أخباره، ويتأدب بآدابه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويبلغ أحكامه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
وقد أجمل ﷺ بعثته كلها في مكارم الأخلاق بقوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ» أخرجه أحمد.
ومكارم الأخلاق قسمان:
الأول: حسن الخلق مع الخالق بتوحيده والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له.
والثاني: حسن الخلق مع المخلوق بالإحسان إليه وكفى الأذى عنه.
وكان ﷺ أعظم الناس أخلاقًا في هذا وهذا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وعن عائشة ﵂ قالت: إن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن.
أخرجه مسلم.
وسُئِلَتْ عائِشةُ عن خُلُقِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقالَتْ: " كان خُلُقُه القُرآنَ " أخرجه أحمد، وأبو يعلى.
وإذا كان خلقه القرآن، فالقرآن يهدي للتي هي أقوم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
فسبحان ما جمله بالأخلاق ظاهرًا وباطنًا، وأرسله لتجميل الناس بالإيمان والتقوى ومكارم الأخلاق ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فالدين كله حسن الخلق، مما يجعل الأخلاق العظيمة هي البعثة، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد جمع الله ﷾ في هذه الآية الدين كله بأقسامه الثلاثة:
١ - الإيمان بالله وملائكته إلى أخره.
٢ - والإسلام من صلاة وزكاة إلى أخره.
٣ - والإحسان من وفاء وصدق وصبر وتقوى لله ﷿.
فمن أكمل هذه الأخلاق في الدنيا كان أقرب الناس منزلة من النبي ﷺ يوم القيامة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَقَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا».
أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح.
السابعة عشرة: أن الله ﷿ أكرم رسوله ﷺ بكرامات وشرح صدره ووضع عن وزره ورفع ذكره رفعاً عظيمَ كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤].
فجعل الله سبحانه أسم نبيه ﷺ جزء من شهادة التوحيد، فلا يذكر الله تعالى إلا وذكر معه النبي ﷺ في الأذان والإقامة وفي الصلاة وفي التحيات وفي التشهد وفي الخطب وكثير من الأدعية والأذكار.
فذكر النبي ﷺ يدوي في كل مكان في العالم العلوي والعالم والسفلي، والله وملائكته والمؤمنون يصلون ويسلمون عليه في كل آن، ومنارات المساجد تهتف بذكره في كل يوم وليلة خمس مرات في كل وقت وفي كل بلد.
فليس بشر في الدنيا يذكر ويثنى عليه كما يذكر النبي ﷺويثنى عليه.
الثامنة عشرة: أن الله ﷿ أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وأخبر سبحانه أنه يصلى عليه وملائكته فقال:﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والصلاة والسلام عليه مشروعة في كل حال، ومشروعة في أحوال خاصة كالتشهد في الصلاة وفي صلاة الجنازة وفي الخطبة، وبعد الأذان وعند الدعاء وغيرها من المواطن والمناسبات، ولعظمة قدره ﷺ رتب الأجر العظيم على من صلى عليه، وأخبر ﷺ أن من صلى عليه واحد صلى الله عليه بها عشره.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا».
أخرجه مسلم.
فالله ﷿ يصلى عليه وأمر الملائكة بالصلاة والسلام عليه، وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه لعظمة مكانته ومنزلته وقدره، لهذا اجتمع أهل عالم العلوي والعالم السفلى على الصلاة والسلام عليه، فصلوات الله وسلامه عليه.
التاسعة عشرة: أن الله ﷿ ميزة بشرف النسب وكريم الحسب، وصفاء النشأة فهو خير الناس بيتاً وخيرهم نفسًا،عن واثلة بن الاسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ ﷿ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
أخرجه مسلم.
العشرون: من دلائل عظمة قدرة ﷺ وخصه الله به من خصائص ذاتيه وخصائص شرعيه:
الخصائص الذاتية: التي تتعلق بدنه ومنها أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه، وما جعل الله فيما أنفصل من جسده من بركة كعرقه وريقه وشعره وماء وضوئه وهذا خاص به.
ومن ذلك أن الله خص أمته ﷺ بكرامات وخصائص ليست لغيرها ومن ذلك:
أما خصائصه الشرعية: فمتعددة ومنها لا يورث ومن تركه صدقه، ومنها أن الصدقة محرمه وعلى أل بيته، ومنها أن الله أباح له النكاح من أكثر من أربع نسوة، ومنها جواز الوصال في الصوم في حقه وأنه لا يجب عليه القسم في الليالي بين نسائه، ومع ذلك يقسم لكمال خلقه ﷺ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾ [الأحزاب: ٥١].
الحادي والعشرون: من دلائل عظمة قدرة ﷺ ما أختص الله به أمته من خصائص وكرامات أهمها أن الله جعل أمته خير الأمم كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
ثانيًا: أن الله اجتباها من بين الأمم، كما أصطفى الأنبياء واجتباهم من بين الناس: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الثالثة: أن الله ﷿ جعل أمته أمة وسطا، وجعلهم شهداء على الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وعن بن سعيد الخضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِنُوحٍ: هَلْ بَلَّغْتَ؟فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، قَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ، قَالَ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَنَجِيءُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا».
والوسط العدل أخرجه البخاري.
فهذه الأمة أمة وسط وعدل، وصفهم الله بالوسط لتوسطهم في الدين، فلهم أهل غلو في الدين غلوا النصارى، الذين غلوا في الترهب وغلوا في نبيهم عيسي، فقالوا إنه الله أو ابن الله، ولا هم أهل تقصير في الدين كتقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وحرفوا وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، وقالوا على الله غير الحق: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
الرابع: أن الله ﷿ جعل أمته ﷺ لها خير ما في الدنيا السابقون يوم القيامة في الحساب ودخول الجنة، فهم الآخرون زمانًا الأولون منزلة، فهم أول من يحشروا وأول من يحاسب وأول من يدخل الجنة.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى».
متفق عليه.
الخامسة: أن أمته ﷺ أول من يجوز من الأمم على الصلاة يوم القيامة.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في حديث الرؤية:«وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ» متفق عليه.
السادسة: أن الله هدي أمته ﷺ إلى يوم الجمعة سيد الأيام، فأمته ﷺ يجتمعون للعبادة يوم الجمعة، واليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى».
متفق عليه.
وخلق الله آدم يوم الجمعة، والإنسان إنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغل أكثر في العبادة فيه، لأن الله أكمل فيه خلق الموجودات وخلق فيه الإنسان التي ينتفع بها فناسب أن يشكر ربه على ذلك بالعبادة فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
سابعاً: أنه أمته ﷺ لا تجتمع على ضلاله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وعَنْ ابن عمر ﵄ قَالَ: قال النبي ﷺ: «إِنَّ الله لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ» أخرجه الترمذي.
ثامناً: أن أمته ﷺ يأتون يوم القيامة غر محجلين من أثار الوضوء.
عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» متفق عليه.
التاسع: أنه أمته ﷺ نصف أهل الجنة أو أكثر.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في قُبَّةٍ فقال: «أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قلنا نعم قال: «أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قلنا نعم، قال:«أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قلنا: نعم.
قال: «إنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنتُمْ في أَهْلِ الشِّرْكِ إلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ الثَّورِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ الثَّورِ الأَحْمَرِ».
متفق عليه.
العاشرة: أن الله ﷿ يدخل من أمته ﷺ سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب.
عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «عُرِضَتْ عَليَّ الأُمَمُ، فَأَجِدُ النَّبِيَّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنظَرْتُ فَإذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْريلُ، هَؤُلاءِ أُمَّتي؟ قَالَ: لا، وَلَكِن انْظُرْ إلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإذَا سَوادٌ كَثِيرٌ.
قَالَ: هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ.
قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لا يَكْتَوونَ، ولا يَسْتَرْقونَ، وَلا يَتَطيَّرون، وَعَلَى رَبِّهِمْ يتوكَّلُونَ».
متفق عليه.
الحادي عشرة: مضاعفة أجور هذه الأمة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة، إلى أضعاف كثيرة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال الله ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال الله ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً،قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» أخرجه البخاري.
وعن أبي ذر ﵁ في قصة الإسراء والمعراج أن النبي ﷺقال: «فَفَرَضَ الله ﷿ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ الله لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا.
فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَرَاجَعْتُ.
فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ.
فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» متفق عليه.
فهذه الأمة أمة مكرمة ذنوبها مغفورة، وعيوبها مستورة، وأعمالها مضاعفة، وأعمارها قصيرة، لأن الله ﷿ شرفها كالأنبياء بالدعوة إلى الله والعبادة كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
الثانية عشرة: أن أمته ﷺ لا يعمها الهلاك العام، كالأمم السابقة بغرق أو خسف أو جدب، فهي باقية إلى يوم القيامة، كما هلك الله تعالى الذين كذبوا رسله من قال كما قال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» أخرجه مسلم.
الثالثة عشرة: ومن خصائص أمة محمد ﷺ بقاء طائفة منها على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم وجميع المسلمين منهم.
عن معاوية ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ الله، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» متفق عليه.
الرابعة عشرة: أن الله ﷿ أكرم هذه الأمة بحسن الشريعة وكمالها، فقد حوت جميع محاسن الشرائع الإلهية المتقدمة، ورفع عنها ما لا يلائمها كرفع الحرج، والعفو عند الخطأ،والنسيان والإكراه ورفع الآثار والأغلال وحديث النفس كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال ﷿: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الخامسة عشرة: أن الله هيأ لأمة محمد ﷺ من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة، ليحفظ لها دينها على مر القرون إلى يوم القيامة.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ الله يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينِهَا»أخرجه أبوداود.
السادسة عشرة: أن الله ﷿ اختص أمة محمد ﷺ بالشريعة السمحة، ويسر في التشريع وحلل لها بعض ما حرم على الأمم من قبلها.
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» متفق عليه.
وغير ذلك من الخصائص والكرامات التي خص الله بها أمة محمد ﷺ، فهذه ستة عشر كرامة خص الله بها أمة محمد ﷺ.
***
مختارات
