الخزانة العاشرة..
ومن مقاصد القرآن
أن الله أمر في القرآن بالمسارعة إلى أداء أمور الخير التي يخشى فواتها، ويأمر بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي تخشى عواقبها، ففي المبادرة لأعمال الخير يقول سبحانه:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال ﷿: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال ﷿: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١].
فالسابقون في الدنيا إلى الخيرات والطاعات هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات وفي التثبت في الأمور التي يخشى عواقبها، يقول سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
وقد عاب الله ﷿ على المتسرعين في إذاعة الأخبار قبل التثبت بصحتها بقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
ومن هذا الباب الأمر بالمشاورة في الأمور وأخذ الحذر وألا يقول الإنسان ما لا يعلم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
• فالأمور ثلاثة:
الأول: أمر علمت مضرته فلا يجوز لك الإقدام عليه كالشر والمعاصي والخبائث.
الثاني: وأمر علمت منفعته فالمسارعة إليه أكمل كسائر أنواع العبادات والواجبات والمستحبات.
الثالث: وأمر ترددت فيه وهذا يحتاج إلى تثبت قبل الإقدام فيدخل من ذلك ما أشكل عليك بذاته هل هو نافع أو ضار؟ وما أشكل عليك بمقارنته مع غيره هل هو أنفع من غيره أو غيره أنفع منه؟.
فقد يكون الشيء منفعة في ذاته لكن يتردد الإنسان بين كون غيره أنفع منه وكون غيره أنفع منه فحين إذًا يجب التثبت والتشاور ومن مقاصد القرآن التي تحصل الاستقامة للعبد يذكره الله ﷿ في القرآن إذا مالت نفسه إلى ما لا ينبغي من الشهوات والمحرمات ما يفوته من الخير وما يحصل له من الضرر؛ لأن الأمر والنهي لا يكفي أكثر الخلق فيكفهم عما لا ينبغي حتى يقرن ذلك بذكر ما يفوت من المحبوبات التي تزيد أضعافًا عن المحبوب الذي يكرهه الله وتحبه النفس، وما يحصل من المكروه المترتب عليه، كما ذكر الله فتنة الأموال والأولاد التي تفتن العبد عن الاستقامة كما، قال سبحانه:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٨]
وقال الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
وكذا رغب الباري في كتابه الكريم الصلاح والإصلاح في كل حال، فأمر بالصلاح والإصلاح في آيات كثيرة وأثنى على الصالحين والمصلحين في آيات أخر، والصلاح أن تكون الأمور مستقيمة معتدلة مقصودًا بها غايتها الحميدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فأعمال الخير تصلح القلوب والأبدان، وتصلح الإيمان والأخلاق وتصلح الدين والدنيا، وضدها فساد هذه الأشياء،والصلاح هو الاستقامة على أوامر الله كما أمر بامتثال لأوامر أو اجتناب نواهيه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١].
والإصلاح هو إصلاح الأمور الفاسدة في الدين والدنيا، بالسعي في إزالة الفساد والشر والضرر العام والخاص، ومن أعظم أنواع الإصلاح السعي في إصلاح أحوال البشرية بالدعوة إلى الله ليخرج من الكفر إلى الإيمان ومن الشرك إلى التوحيد، من الجهل إلى العلم، ومن الشقاء إلى السعادة،كما قال شعيب لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفقي إلا بالله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون، وكذا السعي في إصلاح أحوال المسلمين وجمع كلمتهم على الحق، كما قال سبحانه:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فكل ساعي في مصلحة دينيه أو دنيوية فهو مصلح والله يهديه ويرشده ويسدده، وكل ساعٍ بضد ذلك فهو مفسد والله لا يصلح عمل المفسدين، وقد أثنى الله على الصالحين بقولهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وأثنى على المصلحين في آيات كثيرة لأن آثار الصلح والصلاح والإصلاح فيها خير وبركة ورحمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فأثنى سبحانه: على المصلحين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
فالصلاح في الأمة بدون إصلاح لا يمنع ارتفاع الهلاك عنهم بل لينجو من العذاب لابد ليكونوا صالحين مصلحين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كمال الإنسان أن يكون صالحًا بنفسه مصلحًا لغيره، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله ﷿: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣].
إصلاح النفس.
وقال الله ﷿: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣].
إصلاح الغير.
ما أمر الله به ﷻ في كتابه إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه فهذا أمر له بالدخول فيه ليدخل فيه ويتصف به، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
وإما أن يوجه إلى من دخل فيه فهذا أمره الله به ليصحح ما وجد منه ويكمل ما نقص منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
فالهداية أنواع والمؤمن يطلب من ربه أن يكمل له ما نقص من الهداية في باب معرفة الله وباب الأعمال الصالحة وباب أركان الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
ومن لطف الله بعباده المؤمنين أنه إذا منعهم شيئًا تعلقت به نفوسهم وإراداتهم فتح لهم أبوابًا أنفع لهم منه وأسهل وأولى، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].
فنهاهم ربهم سبحانه عن التمني الذي ليس بنافع وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان وأمرهم أن يسألوه من فضله الذي أعطى غيرهم منه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
ومن مقاصد القرآن أن الله سبحانه بين في القرآن أن الأجر والثواب في العبادات علي قدر المشقة، وأن تسهيله لطريق العبادات من منه وفضله وإحسانه ورحمته، وأنها لا تنقص الأجر شيئًا فالجهاد عبادة عظيمة فيها منافع كثيرة، وفيها كذلك مشقات كثيرة تكرهها النفوس بما فيها التعرض للموت والأخطار وتلف النفوس والأموال، لكن هذه المشقات بالنسبة لما تفضي إليه من العزة والكرامات ليست بشيء بل هي خير محض وإحسان صرف من الله إلى عباده، حيث قيض لهم عبادات توصلهم إلى أعلى الدرجات ومنها الجهاد في سبيل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وكلما عظمت المشقة في فعل الطاعات وترك المحرمات والصبر على البليات كان له أجل وأعظم الثواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وقال النبي ﷺ لعائشة لما تعبت في الحج: «إنْ أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك».
متفق عليه.
فالله ﷿ رءوف بالعبد لطيف بهم يقلب لهم الأحوال التي تصلحهم فعلى العبد إن سهل الله له طريق العبادة وهونها عليه أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة وإن شقت على النفوس صبر واحتسب الأجر في عنائه ورجا عظيم الثواب عليها: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال الله ﷿: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
فتسهيل الطاعات من أثار رحمة أرحم الراحمين، وبيان المنة على العباد بتسهيل الطاعات عليهم فلا يسوق العبد الطريق العسير مع وجود الطريق اليسير؛ لأنه إن ترك السهل الميسر إلى الصعب الشديد فقد ترك نعمة أنعم الله بها عليه تعينه على طاعة ربه، فإن حصلت له مشقة لم يقصدها فهذا من الله لا من العبد، فاصبر فليصبر فليحتسب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
والله يحب الصابرين هذه هي شريعة الله السمحة الميسرة:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
• ومن مقاصد القرآن التي بينها الله في كتابه:
أن الله ﷿ يكتب للعبد المؤمن عمله من خمسة أبواب:
الأول: يكتب الله للعبد العمل الذي باشره، كما قال سبحانه: ﴿﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال ﷿: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٧].
الثاني: يكتب ويكمل له ما شرع فيه ولم يكمله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
الثالث: يكتب الله له أجر ما نشأ من عمل، ولم يكن على باله، كما قال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
وقال النبي ﷺ: «إذا مَات الإنسَانٌ انقطعَ عمَلُه إلا مِنْ ثلاثْ: صدَقة جاريَة، أوْ عِلم ينتفِعُ به، أوْ ولدٌ صالِحٌ يدعوُ له».
أخرجه مسلم.
وقال النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا».
أخرجه مسلم.
الرابع: يكتب له ما تركه لعذر وكان يعمله كما قال النبي ﷺ «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحا مقيمًا».
أخرجه البخاري.
الخامس: أن ما تمناه العبد من الخير وكان من عاداته أن يعمله لكن لم يقدر عليه لعذر فالله يكتب له أجره كما قال النبي ﷺ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
أما ما يتمناه العبد ولم يقدر عليه وليس من عاداته فهذا يكتب له أجر النية لا أجر العمل، كما قال النبي ﷺ حين قسم الناس إلى أقسام «عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ».
أخرجه أحمد بسند صحيح.
وكما قال الفقراء النبي ﷺ سبق أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، ثم ذكروا أنهم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، وينفقون ولا ننفق فأخبرهم أن يسبحوا ويحمدوا ويكبروا ثلاث وثلاثين دبر كل صلاة وأنهم بذلك يدركون ما سبقهم، فلما سمع الأغنياء بذلك عملوا مثله فجاءوا الفقراء فقالوا يا رسول الله سمع إخواننا الأغنياء بما صنعنا وعملوا مثله فقال لهم: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
ولم يقل لهم لكم أجركم بنيتكم.
• ومن مقاصد القرآن العظيمة:
أن الله ﷻ بين أن هذا القرآن العظيم يهدي للتي هي أقوم وأكمل وأصلح في كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
فالقرآن العظيم أعظم كتاب وأقوم تشريع وأحكم تنزيل فيه تبيان كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فالقرآن أقوم في كل أمر، في العقائد والأخبار والأحكام والأعمال والأخلاق والآداب والسياسات والمصالح الدينية والدنيوية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فالقرآن يدل عليها ويهدي إليها ويرشد إليها ويأمر بها ويرغب فيها ويحث عليها.
فأما العقائد فإن القرآن بين العقائد النافعة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره وفي هذه العقائد صلاح القلوب وغذائها لأنها تملأ القلوب توحيدًا وإيمانًا وتعظيمًا لله وحبًا له وتوكلًا عليه وإنابةً إليه ومن أجل هذا خلق الله الخلق ليعبدوا الله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأما الأخبار فأخبار القرآن كلها حق وصدق فيما أخبر الله به عن نفسه وعن رسله وعن مخلوقاته: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
وأما الأحكام فكلها عدل وإحسان ورحمة فما أمر الله ورسوله إلا بكل خير وما نهى الله ورسوله إلا عن كل شر، فأمر بالحلال ونهى عن الحرام، وأمر بأكل الطيبات ونهى عن أكل الخبائث: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
وأما الأخلاق فالقرآن يدعوا إلى الأعمال الصالحة وينهى عن الأعمال الفاسدة، ويدعوا إلى مكارم الأخلاق من الإيمان والصدق والبر والإحسان والرحمة والعفو وغيرهم من مكارم الأخلاق، وينهى عن ضدها من الكفر والشرك والفجور والكذب والظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وأما الأعمال الدينية التي يدعوا إليها فهي أحسن الأعمال، منها القيام بحقوق الله وحقوق العباد على أكمل الحالات وأجلها وأوصلها إلى المقاصد الحسنة ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وأما السياسات فالقرآن يهدي ويرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل المصالح ودفع المفاسد، ويأمر بالتشاور فيما لم تتضح مصلحته وذلك في كل مجال في سياسة العبد مع نفسه وأهله وأولاده وجيرانه وأصحابه والناس كافة:﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]
بهذا كله فالقرآن يهدي للتي هي أقوم في كل شيء وكل ما سواه من القوانين المعارضة للقرآن تدعوا للذي هو أسوء وأظلم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
فالقوانين الوضعية كلها لا خير فيها، وإن قدر فيها خير فالقرآن خير منها وأقوم وأنفع وأحسن: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
فكل شيء أقوم وأحسن فالقرآن يهدي إليه وكل شيء أعوج وأسوء فالقرآن لا يهدي إليه بل يهدي إلى ضده: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ١ - ٢].
وقال الله ﷿: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وقال الله ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
ومن مقاصد القرآن الكبرى أن الله بين في القرآن أن قيمة الإنسان بصفاته لا بذاته، وأن العبرة بحسن حاله هي إيمانه وعمله الصالح فقط: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وأنه لا قيمة لما عند الإنسان من الأموال والأولاد ولا بما وصل إليه من المناصب والرئاسات فهذه نعم يعطها الله من يحب ومن لا يحب ولكن العبرة فقط بالإيمان والأعمال الصالحة فأبو لهب ذو النسب والحسب سيصلى نارًا ذات لهب، وبلال بتوحيده وإيمانه سمع النبي ﷺ دفن نعليه في الجن: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧].
فمن أتى الله بالإيمان والتقوى ربح وأسعده الله في الدنيا والآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فكمال الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، فمن أتى بالإيمان والعمل الصالح دخل الجنة من كان وحيث كان غنيًا أو فقيرا عربيًا أو أعجميًا حرًا أو عبدًا.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].
ثم ذكر الله البرهان الذي من جاء به دخل الجنة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
فميزان الأمور كلها هو الإيمان والعمل الصالح وكمال الإنسان بذلك فقط وما يعطاه الإنسان من المال والولد والجاه فهو نعمة يبتلى الله بها العباد، فمن استعملها في طاعة الله فاز، ومن استعملها في معصية الله خسر دنياه وأخرته: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
ومقاصد الإسلام الكبرى عظيمة وكثيرة جدًا، وهذه هي أهم مقاصد القرآن الكريم الكبرى التي يريد الله منا أن نتعلمها ونعمل بموجبها وندعو إليها لنفوز بأعظم الكرامات في الدنيا والآخرة ونسعد برضوان الله ورؤيته ودخول الجنة يوم القيامة.
والترغيب في قراءة القرآن وسيلة لفهم تلك المقاصد العظمى، وتدبر القرآن العظيم وسيلة لمعرفة تلك الأصول الكبرى والعمل بها، وهي أصول عظيمة نافعة جامعة.
اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك و اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملا صالحًا يقربنا إليك إنك أنت العزيز الكريم.
هذا ما تيسر من ذكر المقاصد الكبرى والقرآن العظيم مملوء بتلك المقاصد فليطلع عليها العبد ويتدبرها في كتاب ربه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
***
مختارات
