الخزانة الخامسة..
• كرامات الرب للإنسان:
الله سبحانه خلق كل شيءٍ بأمره، وخلق آدم ﷺ بيده تكريمًا وتشريفًا له، وصوره فأحسن صورته، ثم نفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، ثم أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا له إلا إبليس امتنع عن السجود له، فطرد الله إبليس ولعنه، وأسكن آدم جنته، وأتم عليه نعمته: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
ثم أنزل الله آدم من السماء إلى الأرض بحكمته، ليكون في الأرض خليفة، وهيأ له السكن قبل أن ينزل: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢٤ - ٢٥].
وجعل الله الأرض وما عليها كلها له: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وأمره أن ينتفع بخيرات الأرض ويستعين بنعم الله على طاعته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وفضل الله الإنسان بالعقل والنطق على ما سواه من الجماد والنبات والحيوان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
خلق الله الإنسان وجعله مركبًا من بدنٍ وروح، وفطره وهداه إلى الإيمان، وحب الخير وبغض الشر: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فجعله سبحانه خليفةً في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
وسخر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض، ليكون في مصلحته وخدمته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
فهذا العالم كله بأسره كقريةٍ صغيرة، فيها جميع المخلوقات المختلفة، والمنافع العظيمة، والإنسان فيها هو الرئيس، وسائر الجمادات والنباتات والحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد له، والخدم له، وهم جميعًا مطيعون له وفي خدمته، فكم نعم الله ﷿ على هذا الإنسان؟ وكم أنواع تكريمه له سبحانه؟.
وقال الله تَعَالىَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
والإنسان أشرف المخلوقات في العالم السفلي، والعالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الإنسان من جنس العالم العلوي، وليس في مخلوقات العالم السفلي منه شيء -من العالم العلوي- إلا الإنسان، لهذا فهو أشرف وأكمل، لهذا فلا يليق بالإنسان الذي كرمه الله وجعله في الدنيا خليفة، ويوم القيامة -إن كان مؤمنًا- جليسه، لا يليق بهذا الإنسان في هذه الدنيا أن يسكن في ملك الله ويأكل من رزق الله، أن يعبد غير الله مما هو دونه من صنمٍ أو حجرٍ أو شجر، ويعصي أمر من خلقه وأنعم عليه وهداه بلا حياء:﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
فسبحان الله ما أجهل العبد بربه، وما أجهله بملكه وسلطانه، وما أجهله بدينه وشرعه وثوابه وعقابه.
• فالناس أربعة:
١ - رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالمٌ فخذوا عنه.
٢ - ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكروه.
٣ - ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك طالب علمٍ فعلموه.
٤ - ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك أحمق فارفضوه.
فالناس مختلفون في العقول والأفهام، والإقبال والإدبار،والله سبحانه يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب:﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
• فضل الله آدم على غيره من الملائكة وغيرهم في أمور:
فالله سبحانه خلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله خليفةً في الأرض، وقد بلغ آدم ﷺ في منصب الخلافة أعلى الدرجات.
فالدنيا خلقها الله متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، والملائكة في طاعته، وإعانته؛ فبعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه، وبعضهم مستغفرين لزلاته، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه.
ومع هذه الكرامات والمناصب العالية يقول الله له: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥].
فهو في الدنيا خليفة، ويوم القيامة إذا آمن جليسه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فكم من الكرامات أعطاها الله ﷿ لهذا الإنسان خلقه الله في أحسن تقويم، وأنعم عليه بنعمٍ لا تعد، ولا تحصى، وميزه على عقله، على غيره بالعقل والنطق والعلم.
وكل من عرف شيئًا؛ فإما أن يكون قادرًا على تعريف غيره به، أو يكون عاجزًا عن تعريف غيره به.
فالأول: هو الإنسان فإنه يعلم بالأشياء ويمكنه تعريف غيره بكل ما عرفه.
والثاني: هو الحيوان فأنه إذا حصل له ألم أو لذة يعجز عن تعريف غيره به.
والناس يوم القيامة يصدرون للمحاسبة، ورؤية الأعمال ثم الجزاء عليها، ويصدرون أشتاتًا: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
فبعضهم يذهب إلى الموقف راكبًا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وهم المؤمنون وهم درجات.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦].
ومنهم من يَذهب من يُذهب بهم حفاةً، عراةً، سود الوجوه، مقيدين في السلاسل والأغلال وهم الكفار، وهم درجات: فيذهب اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، كل فريقٍ مع شكله.
وحسنات الكافر محبِطةٌ، محبَطةٌ بكفره، وسيئات المؤمن مغفورةٌ إما ابتداءً، وإما بسبب اجتناب الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وهذا هو الحق والعدل والكرم:
فإن المعصية وإن قلت وصغرت ففيها استخفاف بالملك العظيم الجبار الذي له ملك السماوات والأرض وله من في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، والكريم القادر على كل شيء الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى لا يحتمل ذلك.
وفي الطاعة تعظيمٌ للملك، فهذا التعظيم وإن قل فالكريم لا يضيعه، بل يضاعف أجره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
فكل ذنب مهما كان فهو عظيم؛ لأنه وقع في حق العظيم سبحانه الذي له الخلق والأمر وبيده مقاليد الأمور.
قال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ولأنه وقع في مقابلة نعم ربه العظيمة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فقه الأرواح:
الأجساد مساكن الأرواح وفي كل جسدٍ روحان:
إحداهما: روح اليقظة:
وهذه الروح هي التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظًا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات بعد مفارقة الجسد،كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢].
الثانية: روح الحياة: وهي الروح التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيًا فإذا فارقته مات الجسد، فإذا رجعت إليه حيي الجسد عند البعث، كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٦].
وهاتان الروحان في باطن الإنسان ولا يُعرف أين مقرهما،فهما كجنينٍ في بطن امرأةٍ واحدة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
وكذا في باطن الإنسان روحان أخريان:
١ - روحٌ ملكية: تأمر الإنسان بالخير، وتنهاه عن الشر.
٢ - وروحٌ شيطانية: تأمر الإنسان بالشر وتنهاه عن الخير.
قال الله تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢)إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
وفي الحديث «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
صححه ابن حبان.
وفي الحديث «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ».
أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
وقال ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» أخرجه مسلم.
وماهية الروح ومكانها لا يعلمها، لا يعلمه إلا الله، فالله عليمٌ بكل شيء ونحن لا نعلم من العلم إلا قليلًا.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والله ﷿ أظهر أشياء وأخفى أشياء:
١ - فأظهر مخلوقاته، وأخفى نفسه.
٢ - وأظهر الدنيا وأخفى الآخرة.
٣ - وأظهر قيمة الأموال والأشياء وأخفى قيمة الإيمان والأعمال الصالحة.
٤ - وأظهر سنته وأخفى قدرته.
٥ - وأظهر الأجساد وأخفى الأرواح.
قال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والروح: جزءٌ لطيف خفيف يخرج من البدن عند الموت، ولا يمكن أن نشاهده وإنما يشاهده الميت، فيشاهد نفسه خرجت من جسده، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ».
أخرجه مسلم.
والأرواح يوم القيامة تنتقل إلى أجسادٍ أخرى؛ فالكافر ضرسه مثل أحد، وعرقه مثل جبل البيضاء، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ومقعده في النار كما بين مكة والمدينة.
وجسد المؤمن كمثل جسد آدم ستون ذراعًا في السماء،فسبحان الخلاق العليم الذي يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وسعادة الدنيا والآخرة تكون بالإيمان والطاعات، وشقاوة الدنيا والآخرة تكون بالكفر والمعاصي: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
• والناس في الجنة نوعان:
سعيدٌ، وأسعد.
وسابقون وأبرار.
والناس في النار اثنان:
شقيٌ.
وأشقى.
قال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨].
• والناس أربعة أصناف:
أحدها: سعيدٌ في الدنيا والآخرة وهم أهل الإيمان والتقوى، وفي مقدمتهم الرسل والأنبياء.
الثاني: شقيٌ في الدنيا والآخرة وهم أهل الكفر والفجور، وفي مقدمتهم إبليس وفرعون وقارون وأبا جهل وغيرهم من أئمة الكفر.
الثالث: سعيدٌ في الدنيا شقيٌ في الآخرة وهم أغنياء الكفار وإن كانت سعادة دون سعادة.
الرابع: شقي في الدنيا سعيدٌ في الآخرة وهم أهل الفقر والبلاء من المسلمين.
فليتق العبد ربه الذي خلقه، وصوره وأنعم عليه، وأكرمه، وأحسن إليه، وهداه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
***
مختارات

