الخزانة الثالثة..
• عجائب خلق الإنسان:
الإنسان مخلوقٌ عظيم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، فخلقه الله لمقصدٍ عظيم، هو أن يكون في الدنيا خليفةً يعبد ربه، ويدعو الناس إلى ربه، وفي الآخرة يكون في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وفي خلق هذا الإنسان عجائب تبهر العقول، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، ومن أعظم ذلك أن الله ﷿ صب الإنسان صبةً واحدة، فجعل الرأس في الأعلى، والقدمين في الأسفل، واليدين في الوسط، وجعل الأنف هنا، والفم هنا، والعينين هنا، ولم يتفق منا اثنان ولو جاءت الملاين مضروبةً في الملايين لكل واحدٍ صورته، وهيأته مخالفة لصورة لآخر في الحجم، واللون، والطول، والصوت، وآثار الأقدام، وبصمات الأصابع، ورائحة الجلد، ونحو ذلك من الفوار: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
وفي خلق كل عضو من العجائب والغرائب ما يبهر العقول، فالعينين خلقهما الله شحمةً لئلا يجففها الهواء، وجعل ماء العين ملحًا لئلا تنتن الشحمة، وأخرج منها النور الذي يشع فيبصر به الإنسان الألوان، والأحجام، والأجناس والأشخاص، وفتح له الفم، وجعل فيه عينًا عذبة من الريق تحت اللسان ليسهل بها أكل الطعام، فلو جف ريقه، لما قدر أن يبلع شيئًا، يجم ريقه عند الأكل، ويجف إذا فرغ لئلا يتعبه التفل.
وخلق اللسان في الفم يتكلم به ويقلب به الطعام، ولو جعل الله العينين في القدمين ما رأى شيئًا، ولو جعل سبحانه الأنف في يده لتعب، ولو جعل الفم في رجله لشق عليه الأكل، ولو جعل سبحانه أصابع الإنسان ملتصقةٌ كالبعير لما استطاع أن يأخذ ويعطي، وخلق سبحانه الأنف، وجعله مجرى للنفس، وجعل فيه حاسة الشم، وخلق اللسان، وجعل فيه حاسة الذوق، وخلق العينين وجعل فيهما حاسة البصر، وخلق الأذنين، وجعل فيهما حاسة السمع: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وخلق الأصابع، وجعل فيها حاسة اللمس، فسبحان الخلاق العليم الذي خلق القلب في محله، والكبد في محلها، والكلية في محلها، المعدة في محلها، والمخ في محله، وفتح الشرايين ليدور الدم، ومفتح مجال البول والغائط، وفتح منافذ السمع والبصر والأكل والكلام، والكل يقوم بوظيفته بتدبير الجسم، وكل واحدٍ منا دخل رحم أمه نطفة ليس فيه يدٌ ولا رجلٌ ولا رأسٌ ولا عين، ثم صوره الله إنسانًا وخلقه في ظلماتٍ ثلاث: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].
وتجري في بدنه آلاف العمليات وأمه لاهية تفرح وتمرح لا تدري عما يفعل في بطنها ربها من عجائب صنع الله،اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك:﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
فسبحان الخلاق العليم الذي خلق الإنسان في ظاهره وباطنه في أحسن قويم، في جسده وعقله، وشهوته وصورته وشكله، فليعبد ربه الذي خلقه فصوره، فرزقه وهداه:﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
فإن لم يستجب فسيرده الله إلى أسفل سافلين إذا غير فطرته، وكفر بربه، وأشرك به غيره، وعبد سواه وسفل في أخلاقه وشهواته، وأقواله وأعماله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
فلا أسفه ممن أعرض عن عبادة الله، ولا أسفل ممن أشرك بالله، ولا أسفل ممن يعتقد ألوهية الأحجار والأشجار والحيوانات، وينكر وجود الخالق، وهو يشاهد مخلوقاته، ويتنعم بنعمه فهذا في أسفل سافلين اعتقادًا، وتعبدًا، ومصيرًا.
وآثار الطاعات والمعاصي ظاهرةٌ على كل إنسان، فللحسنة نورٌ في القلب وضياءٌ في الوجه، وسعةٌ في الرزق، وقوةٌ في البدن، ومحبةٌ في قلوب الخلق، والسيئة سوادٌ في الوجه، وظلمةٌ في القلب، ووهنٌ في البدن، ونقصٌ في الرزق، وبغضٌ في قلوب الخلق، وتبقى هذه الآثار مع الإنسان في حياته وبعد مماته ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧].
• حقيقة الإنسان:
خلق الله ﷿ الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، فهو مركب من عنصرين مختلفين، وهما الجسد والروح، وجعل لكل منهما غذاءً لا تستقيم حياته إلا به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
، غذاء الجسد.
وقال الله ﷿: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
، غذاء الروح.
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
، غذاء الروح.
فللجسد متطلبات لا تقوم بها طلبات الروح، وللروح متطلبات لا تغني عنها طلبات الجسد، وهذا الإنسان لابد أن يسعى سعيًا مزدوجًا لتحقيق متطلبات الروح، ومتطلبات الجسد، وإهمال متطلبات الجسد فسادٌ لأجساد البشر وهلاكهم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
وإهمال متطلبات الروح أعظم وأخطر فهو الولاية الكبرى على العالم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
، هذه متطلبات الروح.
وقال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
، هذه متطلبات الجسد والروح معًا.
وقد حصل في عصرنا هذا أمرًا عظيمًا، فقد خدم الإنسان من حيث أنه جسد بخدماتٍ هائلة، في مطعمه ومشربه وملبسه، ومركبه، ومسكنه، ولكنه زاد شقاؤه وخوفه؛ لأنه لم يخدم من الجهة الثانية فأفلس كل الإفلاس من الناحية الروحية؛ لأنه حُرم التربية الروحية السماوية، فانحطت أخلاقه في أغلب دول العالم، وتمرد على أوامر الله؛ لأن تلك الأرواح غير متربية على ضوء الوحي الإلهي، وإهمال هذه التربية الروحية يهدد العالم كله بخطرٍ دامي: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وقال الله ﷿: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وبسبب العناية بالجسد فقط، وإهمال الروح حصل الرعب في العالم وصاروا يتفكرون، ويعقدون الاجتماعات للتخلص من القوة التي صنعوا ويدمروها ولكنهم عجزوا،وما ذلك إلا أنها تدبرها أرواحٌ خبيثةٌ ليست مرباةٌ على ضوء القرآن والسنة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠].
فأعظم المعارف أن يعرف العبد ربه، وما يجب له، فيقر بالجهل في العلم، والتقصير في العمل، والعيوب في النفس، التفريط في حق الله، والظلم في معاملته، فهذا العارف حقًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
هذا العارف حقًا إن عمل حسنة رآها منةً عليه من الله، فإن قبلها فمنةٌ ثانية، فإن ضعافها فكرمٌ منه، وإن ردها فلكون مثلها لا يصح أن يواجه به الله ﷿، وإن عمل هذا العبد سيئةً رآها من تخلي ربه عنه، إمساك عصمته عنه، إن آخذه بذنوبه رأى عجزه، وإن لم يؤاخذ به رأى فضله، وإن غفرها فمن محض إحسانه وكرمه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهذا الإنسان مخلوقٌ عجيب، إذا غلب صبره بعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وإذا غلب الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وإن غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
• آباء البشر:
أكرم الله ﷿ جميع بني آدم، فخلق أباهم آدم ﷺ بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعل الأنبياء والرسل من ذريته.
• وآباء البشر ثلاثة:
الأول: آدم ﷺ.
الثاني: نوحٌ ﷺ.
الثالث: إبراهيم ﷺ.
آدم ﷺ أبو الآباء وعمود العالم، والبشر كلهم ذريته، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
ونوح ﷺ الأب الثاني للناس، وأهل الأرض كلهم من بعده من ذريته، كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾ [الصافات: ٧٥ - ٨٢].
• وكان لنوح ﷺ زوجة وأربعة أولاد هم:
سام.
وحام.
ويافث.
وكنعان.
فأغرق الله زوجة نوح وابنه كنعان لكفرهما مع من أهلك من كفار قوم نوح، وأنجى الله نوحًا وأبناءه الثلاثة المؤمنين: سام وحام ويافث.
فجميع من في الدنيا بعد نوح من نسله، فهو أبو البشرية الثاني بعد آدم، فابنه سام من نسله العرب والفرس والروم، وحام من نسله القبط والسودان والبربر، ويافث من نسله الصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج، فجميع أهل الدنيا بعد نوح من نسله.
هؤلاء الثلاثة، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧].
وإبراهيم ﷺ الأب الثالث، وهو إمام الحنفاء، وأبو الأنبياء من بعده، الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل في ذريته النبوة والكتاب: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]
وقال الله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦].
وإبراهيم بالسريانية معناه: أبٌ رحيم، وخير بنيه سيد ولد آدم محمدٌ ﷺ، وقد أمر الله رسوله محمدًا ﷺ وأمته بإتباع ملة إبراهيم وهي التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له،والدعوة إلى الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
• الأحوال التي يمر بها الإنسان:
الإنسان من جهة مادة خلقه أربعة أنواع:
١ - فقد خلق الله آدم ﷺ من غير أبٍ ولا أم، خلقه من تراب.
٢ - وخلق حواء من أبٍ بلا أم من أحد أضلاع آدم.
٣ - وخلق عيسى ﷺ من أمٍ بلا أب.
٤ - وخلق الله سائر البشر من أمٍ وأب.
وذلك إظهارًا لقدرته ﷻ في خلق آدم كما قال سبحانه:﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٦ - ٩].
والإنسان من جهة جنس الخلق أربعة أنواع:
١ - فمن الناس من يرزقه الله الإناث.
٢ - ومنهم من يرزقه الذكور.
٣ - ومنهم من يرزقه الذكور والإناث.
٤ - ومنهم من يجعله عقيمًا لا يُولدُ له.
قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فالله سبحانه هو الوهاب الذي يهب من خلقه ما يشاء من الأولاد والبنات، ومن الذكور والإناث: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
• والإنسان من جهة الدور التي يمر بها له أربع دور:
الأولى: بطن أمه.
• والحكمة من بقائه في بطن أمه أمران:
١ - تكميل الأعضاء الداخلية.
٢ - وتكميل الجوارح الخارجية.
والثانية: دار الدنيا، والحكمة من بقائه فيها عبادة الله ﷿، وتكميل الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة.
الثالثة: دار البرزخ في القبر، والحكمة من بقائه فيها استكمال بقية الخلق من أهل الجنة والنار.
والرابعة: دار القرار في الجنة أو النار، فيبعث الناس من قبورهم وينصرفون إلى دار مقرهم في دار القرار في الجنة أو النار كلٌ حسب عمله.
وخلق الله الإنسان وجعله يتحول من حالٍ إلى حال، سواءً كان في الزمان أو المكان أو الأبدان أو القلوب، ويركب طبقًا بعد طبق كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]
وقال ﷿: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤].
فأولًا: أحوال الزمان تتقلب على الإنسان من أمنٍ إلى خوف، ومن سلمٍ إلى حرب، ومن مطرٍ إلى قحط، ومن جدبٍ إلى خصب، ومن فرحٍ إلى حزن، ومن عافيةٍ إلى مرض، ونحو ذلك من التقلبات.
ثانيًا: أحوال المكان، ينتقل الإنسان كل يوم من منزلٍ إلى منزل، ومن مكانٍ إلى مكان، ومن بطن الأم إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبر، ومن القبر إلى أن تنتهي به المنازل في دار القرار، في الجنة والنار، حسب عمله.
ثالثًا: أحوال الأبدان، يركب الإنسان منها طبقًا عن طبق، فيكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم طفلًا، ثم شابًا، ثم هرمًا، ثم ينقص شيئًا فشيئًا حتى يموت.
رابعًا: أحوال القلوب، أحوال القلوب عجيبة، فتارة يتعلق القلب بالدنيا، وتارةً يتعلق بالنساء، وتارةً يتعلق بالأموال، وتارةً يتعلق بالقصور والمنازل، وتارةً بالمراكب، وأعظم تعلقات القلب أن يكون متعلقًا بالله ﷿ فيستخدم الدنيا من أجل تحقيق العبودية لله ﷿: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وهذه أعظم الأحوال الأربع، فعلى الإنسان أن يتفقد قلبه ليحفظه من التعلق بغير الله، ويشغله بذكر الله وطاعته وعبادته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
***
مختارات

